اعتراف من قلب المؤسسة.. إسرائيل تمارس التطهير العرقي في الضفة تحت رعاية الدولة
نشر بتاريخ: 2026/02/06 (آخر تحديث: 2026/02/06 الساعة: 16:31)

 

لم يعد ما يجري في الضفة الغربية مجرّد تجاوزات معزولة أو انفلاتًا أمنيًا يمكن إنكاره أو تبريره، بل بات، باعترافٍ صريح صادر من قلب المؤسسة الإسرائيلية، سياسةً ممنهجة تتخذ من العنف أداةً ومن الصمت الرسمي غطاءً. هكذا وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت النقاط على الحروف حين وصف ما يحدث بأنه “محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي”، في شهادة نادرة تخرج من داخل النظام لا من خارجه.

أولمرت، في مقاله بصحيفة هآرتس، لم يكتفِ بوصف المشهد، بل كشف بنيته العميقة: مستوطنون مسلحون ينفذون اعتداءات يومية تشمل حرق المنازل وبساتين الزيتون، تدمير الممتلكات، اقتحام البيوت، والاعتداء الجسدي على السكان ومواشيهم، بهدف دفع الفلسطينيين قسرًا إلى الرحيل، وتهيئة الأرض لمشروع استيطاني يتقدم على أنقاض البشر والبيوت معًا.

الأخطر في شهادة أولمرت ليس توصيف الجريمة، بل تسمية الشركاء فيها. فالشرطة والجيش وجهاز الشاباك، وفق قوله، لا يقفون موقف العاجز، بل موقف المتواطئ. جنود يشاهدون ولا يتدخلون، شرطة تعتقل الفلسطينيين وتتغاضى عن “الإرهابيين اليهود”، وأجهزة أمنية لا تستخدم ضدهم الأدوات ذاتها التي تُطبق بلا تردد على الفلسطينيين. وحين تُرفع القيود القانونية عنهم، كما حدث بإلغاء أوامر الاعتقال الإداري بحق اليهود، تصل الرسالة إلى الميدان واضحة: الحماية مضمونة والمحاسبة مؤجلة.

محاولات تصوير هذه الجرائم كأفعال “أقلية منحرفة” تنهار أمام الوقائع. فالمشهد، كما يؤكد أولمرت، هو نتاج بيئة سياسية وفّرت السلاح والتحريض والغطاء، في ظل حكومة يقودها بنيامين نتنياهو، حوّلت التطرف إلى سياسة، والاستيطان العنيف إلى أداة رسمية غير معلنة لإعادة رسم الجغرافيا بالقوة.

في هذا السياق، لا تبدو الضفة الغربية ساحة اضطراب مؤقت، بل مسرحًا لسياسة اقتلاع هادئة ومتدرجة، تتكامل مع حرب الإبادة في غزة، وتهدف إلى فرض وقائع نهائية تُجهز على ما تبقى من أي أفق لحل الدولتين، في تحدٍّ صارخ للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

وحين يلوّح أولمرت بالمحكمة الجنائية الدولية كعنوان محتمل للمحاسبة، فإن ذلك يعكس إدراكًا متأخرًا بأن الجرائم التي تُرتكب اليوم لن تبقى طيّ النسيان، مهما طال الصمت الدولي أو تواطأ. فحين يأتي الاتهام من داخل المؤسسة، يسقط قناع “الدفاع عن النفس”، وتنكشف الحقيقة كاملة: ما يجري في الضفة ليس فوضى ولا استثناء، بل مشروع تطهير منظم، تُدار خيوطه بعقل الدولة وتُنفذ بأدوات المستوطنين.