في خضمّ الدمار الهائل الذي خلّفته حرب الإبادة على قطاع غزة، تتكاثر السيناريوهات حول “اليوم التالي”، ويزداد الحديث عن ترتيبات تُطبخ في الغرف المغلقة، تحت عناوين إنسانية لامعة، تخفي في جوهرها صراعًا على القرار والمصير.
بحسب ما روّجت له وسائل إعلام عبرية، وفي مقدمتها القناة 12 الإسرائيلية، جرى الحديث عن مفاوضات متقدمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودولة الإمارات، تتعلق بدور إماراتي محتمل في “الإدارة المدنية” لقطاع غزة بعد الحرب. خبرٌ أثار جدلًا واسعًا، ليس فقط لخطورة مضمونه، بل لأنه يلامس جوهر القضية الفلسطينية: من يملك حق إدارة غزة؟ ومن يقرر مستقبلها؟
غير أن التطورات اللاحقة فرضت ضرورة التوقف عند الموقف الرسمي الإماراتي، الذي جاء واضحًا وصريحًا. فقد نفت وزيرة الدولة لشؤون التعاون الدولي في دولة الإمارات بشكل قاطع ما تردد عن تولي أبوظبي أي مسؤولية تتعلق بالإدارة المدنية للقطاع، مؤكدة أن حكم غزة وإدارتها مسؤولية الشعب الفلسطيني وحده، وأن دور الإمارات يقتصر على الجهد الإنساني والإغاثي، الذي ستواصل توسيعه دعمًا لأهل غزة في محنتهم.
هذا النفي لا يمكن تجاهله، ولا يجوز القفز فوقه. لكنه في الوقت ذاته لا يُسقط السؤال الأعمق: لماذا تُطرح أصلًا فكرة الإدارة المدنية المفصولة عن السيادة؟ ولمصلحة من يُعاد تسويق غزة كملف إنساني، لا كقضية تحرر وطني؟
فالحديث عن “إدارة مدنية” بلا قرار سياسي ليس فكرة بريئة في السياق الفلسطيني. التجربة الطويلة مع الاحتلال تقول بوضوح إن فصل المدني عن السياسي هو إحدى أدوات إدامة السيطرة، وتحويل القضايا الوطنية إلى ملفات إغاثية تُدار بلا سيادة، وبلا أفق. إدارة بلا قرار وطني تعني حياة بلا كرامة، وإعمارًا بلا حرية، واستقرارًا هشًا فوق جرح مفتوح.
إسرائيل، في هذا السياق، تبحث عن مخرج يخفف عنها كلفة الاحتلال المباشر، ويُبقي السيطرة الأمنية والسياسية في يدها، بينما تُلقى الأعباء المعيشية على أطراف أخرى. أما الولايات المتحدة، فتدير المشهد من زاوية “إدارة الأزمة” لا حلّها، عبر ترتيبات إقليمية تُخفف الضغط الدولي دون الاقتراب من جذور الصراع.
لكن السؤال الأخطر يظل معلقًا: أين الفلسطينيون من كل ذلك؟
هل استُشير أهل غزة؟ هل طُرحت هذه التصورات على القوى الوطنية الفلسطينية؟ أم أن القطاع، الذي دفع الدم الفلسطيني أغلى الأثمان، يُعاد رسم مصيره فوق الطاولات، ثم يُطلب من شعبه القبول بالأمر الواقع باسم الإعمار والاستقرار؟
غزة لا ترفض العرب، ولا ترفض المساعدة، ولا تُنكر أي دور إنساني صادق، بما في ذلك الدور الإماراتي الإغاثي المعروف والمستمر. لكنها ترفض أن يتحول الإعمار إلى بديل عن التحرر، وأن تُدار كمنطقة منكوبة لا كأرض محتلة، وأن يُستثمر وجعها لفرض وصاية جديدة، مهما تلون خطابها أو تجمّلت لغتها.
ما تحتاجه غزة اليوم ليس وصيًا، ولا إدارة مفروضة من الخارج، بل مشروعًا وطنيًا فلسطينيًا جامعًا، يعيد توحيد القرار، ويضع الإعمار في سياقه الطبيعي: ثمرة للحرية لا بديلاً عنها. فإدارة مدنية بلا سيادة، مهما حسنت نواياها المعلنة، تظل خطرًا مؤجلًا على القضية، وتهديدًا لجوهرها.
غزة لا تحتاج من يُدير حياتها بالنيابة، بل من يعترف بحقها الكامل في أن تُدار بإرادة أبنائها، وعلى أرضها، وضمن أفق حرية لا يقبل المساومة، ولا يُختصر بشعارات إنسانية تُسوَّق فوق الدم الفلسطيني.