فضائح وحروب، والمَخفي أعظم!
نشر بتاريخ: 2026/02/02 (آخر تحديث: 2026/02/02 الساعة: 17:46)

مع نشر حوالى ثلاثة ملايين وثيقة من بينها آلاف الأفلام والتسجيلات والمراسلات، ومع تورّط الآلاف من «علية» القوم في أميركا، وفي دول العالم، بما في ذلك عربية وإسلامية في أعمال من التجسّس والرذيلة والسلوكيات الشاذّة، والانتهاكات المقزّزة للقاصرين والأطفال، ومن إدارة على أعلى المستويات لشبكات منظمة للدعارة، وعمليات جماعية من الاغتصاب الإجرامي المقترنة بالابتزازات المخابراتية يكون المجتمع الأميركي قد دخل في طور جديد من الأزمات الخانقة التي ستتداخل مع الأزمات الاقتصادية التي تبدو أنها هي بدورها تدخل في مراحل جديدة من الشدّة والتفاقم، ومع أزمة العنف التي مارستها أجهزة وشرطة الهجرة، وما ولّدته من احتقانات سياسية واجتماعية.

ردود الأفعال على بدء عمليات النشر لهذا الكمّ من الفضائح ما زالت في بداياتها الأولى، والتطوّرات التي ستنشأ حتماً كردود أفعال لاحقة على مخازي بعض النخب الأميركية تثبت حتى الآن، وبما لا يدع مجالاً لأيّ شكّ من أيّ نوعٍ كان أن جيفري إبستين كان عميلاً للمخابرات الأميركية، وعضواً في «الموساد» الإسرائيلي.

كما تثبت الوثائق أن رئيس أميركا دونالد ترامب، وصهره جاريد كوشنر على وجه الخصوص كانا في دائرة هذه الفضائح من زوايا مختلفة.

من المبكّر، ومنذ الآن التكهّن بالكثير من التطوّرات اللاحقة في ظل أن ما تم التدقيق فيه من وثائق كلها «ضبطت» في منزل «المنتحر» أو المقتول والمغدور إبستين، وتمّ نشرها بقرار محكمة بعد أن وافق الكونغرس على ذلك.

وتكشف الوثائق وتفسّر بعض ألغاز العلاقة بين دولة الإمارات وبين دولة الاحتلال، وستكشف على ما يبدو تباعاً عشرات الألغاز التي ما زالت تحيّر المراقبين في الإقليم، وفي العالم، أيضاً.

ما يهمّنا في هذه المرحلة أن درجة تأثير وتحكّم اللوبي الإسرائيلي على محكّ جديد، وربما تكون أمام أزمة غير مسبوقة على هذا الصعيد.

من حيث المبدأ هناك شخصيات متورّطة من الحزبين «الديمقراطي» و»الجمهوري» في هذه الفضائح، وليس من حزب واحد.

وهناك قوى كبيرة مدفوعة باعتبارات سياسية، وباعتبارات قانونية، وأخرى «أخلاقية» ليس بوسعها التغاضي عمّا تمّ الكشف عنه، أو التستّر على تبعاته، وهو ما سيطرح العلاقة الأمروإسرائيلية على جدول أعمال التجاذب السياسي، بحيث سيشار إلى هذه العلاقة باعتبارها علاقة مدنّسة بدلاً، وبعد أن كانت مقدّسة، خصوصاً أن هذه العلاقة كانت قد وضعت تحت الكثير من علامات الاستفهام، وأحياناً إشارات الاستنكار بعد حرب الإبادة الجماعية والتجويعية التي شنّتها دولة الاحتلال وما زالت في وعلى قطاع غزّة.

وهنا يجب أن نتذكّر أن هذه الفضائح المدوّية ستشكّل مادّة سياسية دسمة لقطاعات واسعة من الحزب الديمقراطي من زاويتين على الأقل:

الأولى، إعطاء هذه القطاعات أحقية في انزياحاتها السياسية في معاداة حرب الإبادة وإظهارها كقوى موضوعية وصادقة، وليست «معادية للسامية».

الثانية، أن هذه الفضائح ستساعد الجناح الشاب والصّاعد في الحزب على محاصرة التيارات المؤيّدة لدولة الاحتلال، والحدّ من نفوذها.

أما على مستوى الحزب الجمهوري فالمسألة أعمق وأخطر من ذلك.

هناك قاعدة شعبية لا يُستهان بها داخل الحزب، وفي أوساطه هي أقرب إلى الثقافة المحافظة، وكذلك تحديداً في صفوف «ماغا»، وحتى داخل أوساط المسيحية الصهيونية والكنيسة الإنجيلية ممّن لا يتقبّلون مضمون هذه الفضائح، وممّن يعتبرون هذه الدرجة من الشذوذ، ومن الاستهتار، وهذا المستوى من الانتهاكات والإجرام ما هو مرفوض، وما هو معيب لما يحتوي على خروج فاضح على القيم الأخلاقية للمسيحية وللقيم الإنسانية.

كل هذه الأوساط ستتأثّر بهذه الفضائح، وقد يصل عدم تقبّلها، ورفضها إلى بعض أشكال «التمرّد» على الاصطفافات المعهودة في تأييد ترامب، وعلى أشكال أخرى من الامتعاض الجماعي من القدرة على التلاعب بالنخب الأميركية.

وليس من المستغرب أبداً أن يطرح سؤال الحرب على إيران من زوايا جديدة، خصوصاً أنه طرح فعلاً على عدّة مستويات:

الأوّل، وهو إذا كان لدولة الاحتلال مصلحة جوهرية في ضرب إيران ــ وهي كذلك ــ فلماذا ذهبت إلى البحث عن وسطاء، حيث لم يعد سرّاً أنها وسّطت روسيا بهذا الشأن؟ وتم رفض هذا العرض من قبل إيران جملة وتفصيلاً، أقصد الوساطة للتحييد المتبادل.

ألا يُعتبر هذا السلوك الإسرائيلي توريطاً لأميركا، وتحويل المصالح الأميركية، وتعريضها للتهديد المباشر؟

وحتى لو أن قرار النشر للوثائق هو قرار محكمة أميركية، والقرار أساساً تمّت الموافقة عليه من الكونغرس نفسه ــ وهذا هو المستوى الثاني من سؤال الحرب ــ أفلا تكشف الوثائق أن قرار الحرب على إيران كان سيستخدم فيه الابتزاز لترامب لولا أن الفضيحة أصبحت عامّة وطامّة بعد قرار المحكمة.

ولماذا تمّ الاحتفاظ بالصور والأفلام والمكالمات والمراسلات طالما أن «المنتحر» أو المغدور إبستين كان يعمل في صفوف «الموساد»، وكان يتعاون مع المخابرات الأميركية.

أليس لأن كل هذه الوثائق كانت «كنزاً» للاستخدام اللاحق؟

تفيد آخر المعطيات حول قرار الحرب أن وزير خارجية أميركا ماركو روبيو، وهو الشخصية الأكثر تأثيراً في الإدارة الحالية، ويصنّف الطاقم الذي يحيط بترامب بأنه الجهاز التنفيذي للنواة العقارية في البيت الأبيض، بمن فيهم كوشنر نفسه، وأنهم أقلّ شأناً من وزير الخارجية بدرجات تفيد المعطيات أن روبيو قد ذكر أمام الكونغرس بأن الحرب تعتبر مغامرة كبيرة، وغير مضمونة النتائج، لا من حيث «إسقاط» النظام، ولا من حيث «خارطة الطريق» في إيران حتى ولو سقط، وأن حالة الفوضى هي خطر كبير على كامل الإقليم، والخسائر الأميركية لن تكون بسيطة أو طفيفة، أو حتى جانبية ــ وبالمناسبة فقد ذكرنا كل ذلك بالتفصيل في مقالاتنا السابقة ــ وكان واضحاً للكثير من المراقبين والمتابعين أن هذه المغامرة كانت ستتحوّل إلى مقامرة كبرى لو تم اللجوء إلى الحرب بتسرّع أو من دون حسابات دقيقة.

والآن دعونا نتصوّر لو أن الحكمة الأميركية لم تحكم بنشر الوثائق، وأن قرار الحرب قد وصل إلى ما وصل إليه من حساسية وتردّد، فهل كان اللوبي الإسرائيلي الذي يملك بالتأكيد نسخاً من كلّ «وريقة» من الوثائق، ونسخاً من كل صورة وفيلم ومكالمة، ومراسلة سيستخدمها أم لا؟

بهذا المعنى المحدد لم يعد ترامب مهدّداً بالابتزاز عند هذا المستوى من المسألة ــ ولا يعرف أحد إذا كانت هناك قضايا أخرى ــ وتحوّل قرار الحرب إلى قرار بحسابات الأخطار والتهديدات والخسائر، وليس إلى حسابات ابتزازات محتملة.

طبعاً هذا كلّه لا يلغي المصلحة الأميركية الخاصة، والمصالح الأميركية النفطية الخاصة، والمصالح التي تتعلّق بالموقع الجيوسياسي بالنسبة للإقليم، وبالنسبة إلى العلاقة مع روسيا في زعزعة الدولة الإيرانية ونظامها السياسي، بل إنه يؤكّد أن «تراجع» أميركا المعلن عن الحرب يمكن أن يكون خديعة جديدة، ويمكن أن يكون لحسابات قد تتغيّر معطياتها، وبالتالي العودة إلى الحرب بمجرّد تغيير هذه المعطيات، كما يؤكّد أن كل التحشيد للحرب، والتهديد بها ربما كان بهدف إجبار إيران على التنازلات التي تحقق أهداف ترامب دون خوضها، أو ربما أن حالة التحشيد تهدف إلى جمع المعلومات أثناء صخب الاستعداد كما أشارت ونوّهت بعض التقارير، والتي اعتبرت أن أميركا جمعت من المعلومات والمعطيات في هذه الفترة ما كانت تحتاجه منها، وكان يستحيل الدخول في أيّ حرب من دونها.

وسواء كان الأمر يتعلّق بالحسابات أو بجمع المعلومات، أو بسبب المخاوف الكثيرة التي ستترتّب على شنّ هذه الحرب فإن الشيء الثابت والمؤكّد هو أن إيران قد أبدت صموداً، وصلابة تضعها في مصاف الدول الكبرى، وفي مصاف الريادة السياسية بالمقارنة مع كامل منظومة الدول النامية، وأنها إذا ما انتهت هذه الأزمة دون حرب مدمّرة عليها ستتحوّل حتماً إلى دولة إقليمية عظمى، لها مهابتها، ولديها البأس والقوة، والقدرة على فرض إرادتها.

إذا تجاوزت إيران هذه الأزمة فسيترتّب على هذا التجاوز أكثر من طبيعة، ومن حقائق ووقائع الإقليم، وسيكون «الشرق الأوسط الجديد»، والعصر الإسرائيلي المزعوم ضرباً من الأوهام والتمنّيات، وسيكون من أيتام الأمتين، العربية والإسلامية ما يكفي ويزيد ويفيض، لأن هؤلاء الذين راهنوا على ترامب، وراهنوا على دولة الاحتلال، وتحمّسوا، وفقدوا السيطرة على مشاعرهم تأييداً للحرب، والتعلّق بأذيالها، والمراهنة عليها سيكتشفون أن ترامب ليس مجرّد مهرّج فقط، وليس شخصاً عُنجهياً، وشخصية بهلوانية تلعب «بالبيضة والحجر»، وإنما ــ وهذا هو الأمرّ والأدهى ــ شخص مجرد من أي قيم، ومن أي حد من حدود الأخلاق الإنسانية.

كان الله في عون هؤلاء الأيتام لأن فضيحتهم مضاعفة.