هل حماس صادقة في تسليم مفاصل الحكم في قطاع غزة؟
نشر بتاريخ: 2026/02/02 (آخر تحديث: 2026/02/02 الساعة: 16:46)

في كل محطة سياسية يبرز فيها حديث عن “تسليم الحكم” في قطاع غزة، تعود الأسئلة ذاتها إلى الواجهة: هل نحن أمام تحوّل حقيقي في سلوك حركة حماس السياسي؟ أم أمام إعادة إنتاج لتجربة مألوفة، تُسلَّم فيها الواجهة بينما تبقى المفاصل الفعلية بيد الحركة، عبر حكومة ظل أو لجان إدارية غير معلنة؟

منذ سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، لم تكن أزمة الحكم في القطاع أزمة إدارة فقط، بل أزمة ثقة. فكل الاتفاقات التي وُقّعت، من القاهرة إلى الشاطئ، اصطدمت بجدار الواقع: السلطة الرسمية بلا نفوذ حقيقي، وحماس بلا استعداد فعلي للتخلي عن أدوات القوة والسيطرة، سواء الأمنية أو الإدارية أو المالية.

اليوم، وبعد حرب مدمّرة غيّرت وجه غزة وكسرت المجتمع قبل البنية التحتية، يبدو الحديث عن تسليم الحكم ضرورة وطنية قبل أن يكون خيارًا سياسيًا. لكن التجربة تقول إن الحركة غالبًا ما تخلط بين “تخفيف العبء” و”التخلي عن الحكم”. فهل ما يُطرح هو انسحاب كامل من إدارة القطاع؟ أم مجرد إعادة تموضع تحفظ النفوذ وتقلّص الكلفة؟

المخاوف من بقاء حكومة ظل ليست افتراضًا نظريًا، بل نابعة من سوابق واضحة. فاللجنة الإدارية التي أُعلنت سابقًا، رغم نفيها المتكرر، كانت نموذجًا لإدارة غير رسمية تُمسك بالقرار دون تحمّل المسؤولية السياسية أو القانونية. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لأي حكومة قادمة أن تنجح إذا كانت مفاصل الأمن والجباية والقرار بيد جهة أخرى؟

في المقابل، لا يمكن تجاهل هواجس حماس نفسها. فالحركة تخشى أن يؤدي تسليم كامل للحكم إلى استهدافها سياسيًا أو أمنيًا، أو إلى فقدان شبكة المصالح التي بنتها طوال سنوات الحصار والحرب. هذه المخاوف، وإن كانت مفهومة من زاوية فصائلية، إلا أنها تصبح عبئًا وطنيًا حين تُقدَّم على مصلحة شعب يعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.

الاختبار الحقيقي لصدقية حماس لا يكون بالتصريحات ولا بالبيانات، بل بخطوات عملية واضحة: تسليم فعلي للأجهزة المدنية والأمنية، حل أي أطر إدارية موازية، وضمان استقلال القرار الحكومي دون وصاية أو تدخل. دون ذلك، سنكون أمام نسخة جديدة من الانقسام، بوجوه مختلفة وأسماء جديدة.

غزة اليوم لا تحتمل ازدواجية سلطة ولا صراع نفوذ. ما تحتاجه هو إدارة واحدة، شفافة، خاضعة للمساءلة، وقادرة على إعادة الإعمار واستعادة الحياة. وأي فصيل، مهما كان تاريخه أو شعبيته، سيخسر أخلاقيًا وسياسيًا إن قدّم مصالحه على أنقاض مدينة وشعب.

في النهاية، السؤال ليس: هل حماس قادرة على تسليم الحكم؟

بل: هل هي مستعدة للتخلي عن السلطة من أجل غزة، لا من أجل نفسها؟