حين يبتسم نتنياهوا… ويسكت الخطاب الفلسطيني
نشر بتاريخ: 2026/02/01 (آخر تحديث: 2026/02/01 الساعة: 21:08)

كانت حجّة “الأسرى الإسرائيليين” هي المفتاح الذي فُتحت به أبواب الجحيم على قطاع غزة، الذريعة التي دُقّت على إيقاعها طبول الحرب، وسُوِّغت بها المجازر، وتحتها سُحقت المدن والطفولة والذاكرة.

واليوم، مع تسليم آخر جثة، يفرض السؤال نفسه بمرارةٍ لا مهرب منها:

هل تنتهي الحرب بسقوط هذه الذريعة الكاذبة، أم أن الدم الفلسطيني كان مجرّد تفصيل فائض عن الحاجة؟

المشهد كان فاضحًا حدّ الصدمة.

خرج رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهوا مبتسمًا، منتشيًا، رافعًا راية “الاستعادة”، كمن يعلن نصرًا فوق بحرٍ من الدم الفلسطيني، وكأن آلاف الشهداء، وعشرات آلاف الجرحى، ومدنًا مُسحت عن الجغرافيا… لم تكن موجودة.

لم يكن ذلك الفرح عفويًا، ولا إنسانيًا، ولا بريئًا.

كان فعلًا سياسيًا مدروسًا، موجَّهًا أولًا للداخل الإسرائيلي المأزوم، وثانيًا للرأي العام العالمي، في محاولةٍ يائسة لإعادة تدوير صورة زعيمٍ فشل عسكريًا، وقاد حرب إبادة، ونجا مؤقتًا من المقصلة السياسية.

نتنياهوا لم يحتفل بعودة أسرى فقط،

بل احتفل بنجاته هو، وبإعادة تثبيت سردية “القوة”، متجاهلًا الأطفال الذين سُحقوا تحت الأنقاض، والعائلات التي أُبيدت، والمدن التي مُسحت من الخريطة.

ابتسامته لم تكن تعبيرًا عن حياةٍ أُعيدت، بل عن جرائمٍ ارتُكبت بحق شعبٍ كامل.

وفي خضم هذا الاستفزاز السافر، جاء تعليق بعض السياسيين الفلسطينيين مخيّبًا؛

لا صفعة سياسية، ولا تفكيكًا للرواية الصهيونية، بل برودة لغوية، وتوازن ملتبس، كأن المشهد يُقرأ من خارج المأساة لا من قلبها.

لم يكن الردّ بحجم الجريمة، ولا بمستوى الدم.

أين الحنكة السياسية؟

أين الذكاء في إدارة الخطاب؟

وأين الخطاب الثوري الذي استُبدل بلغةٍ رومانسية ناعمة؟

المشكلة لم تكن في الاعتراف بإنسانية الألم، فالإنسانية لا تُجزّأ، ولا يُلام من يتعاطف مع وجعٍ أينما كان.

لكن الخلل الجوهري كان في إسقاط السياق، وفي تجاهل الحقيقة الأكبر:

أن الأسرى أُعيدوا على وقع إبادة شعب كامل،

وأن آلاف الأسرى الفلسطينيين ما زالوا يذوبون في سجون الاحتلال، بلا تهم، بلا محاكمات، بلا اعتراف بوجودهم، تُسلخ جلودهم ويُدفَعون نحو الموت البطيء.

والمفارقة الأكثر إيلامًا:

المقاومة عاملت الأسرى الإسرائيليين بأخلاقٍ وإنسانية، بينما يُعامل الأسرى الفلسطينيون كأجسادٍ فائضة عن الحياة.

أي خطاب لا يبدأ من هذه المفارقة الصارخة، هو خطاب منقوص، مهما بدا عقلانيًا أو “متزنًا”.

أما الصوت العربي، فكان الغائب الحاضر؛

صوتًا مكتومًا، ملفوفًا بوشاح الصمت الأسود،

لا يعلو إلا ببياناتٍ باهتة، ولا يتحرّك إلا في هامش الإدانة الخجولة.

عالمٌ عربيّ يراقب الإبادة وكأنها نشرة طقس،

يحسب كلماته أكثر مما يحسب عدد الشهداء،

ويخشى ارتفاع نبرة الحق أكثر مما يخشى لعنة التاريخ.

فرح نتنياهوا لم يكن مشهدًا إنسانيًا يُعلَّق عليه بحياد،

بل استفزازًا سياسيًا كان يجب تفكيكه وفضحه أمام العالم.

كان يجب أن يُقال بوضوحٍ لا يقبل التأويل:

لا نصرَ لمن قتل ودمّر وحاصر،

ولا أخلاقَ لزعيمٍ يبتسم فوق المقابر،

ولا شرعيةَ لفرحٍ يُبنى على أنقاض غزة.

الأخطر في هذه المرحلة ليس بطش الاحتلال وحده،

بل انزلاق بعض الخطابات الفلسطينية والعربية نحو لغةٍ رمادية،

لغة تُخفّف من حدّة الجريمة، وتُربك البوصلة،

وتمنح العالم مخرجًا أخلاقيًا زائفًا في لحظةٍ لا تحتمل إلا الوضوح.

غزة اليوم لا تحتاج تصريحات موزونة بميزان العلاقات العامة،

ولا جُمَلًا قابلة للتأويل،

بل تحتاج خطابًا صريحًا، فاضحًا، حادًا،

يضع القاتل في موضعه الطبيعي،

ويُعيد الاعتبار للضحية التي تُترك وحيدة في مواجهة آلة القتل.

حين يبتسم القاتل، لا يحقّ للضحية أن تلتزم الحياد.

وحين يبتسم نتنياهوا، يجب أن يكون الردّ الفلسطيني والعربي

أقسى من الابتسامة،

وأوضح من الصمت،

وأصدق من الحسابات.

فالتاريخ لا يرحم المواقف الرمادية،

ولا يغفر الخطابات التي تأتي أقلّ من حجم الدم الفلسطيني.