من قلب تل أبيب… ستّون ألف فلسطيني يفضحون دولة تُشرعن القتل وتدير الجريمة
نشر بتاريخ: 2026/02/01 (آخر تحديث: 2026/02/01 الساعة: 16:09)

في مشهدٍ بالغ الدلالة، خرج قرابة ستّين ألف فلسطيني من الداخل المحتل إلى شوارع تل أبيب، رافعين الرايات السوداء، حدادًا لا على ضحيةٍ واحدة، بل على مجتمعٍ كامل يُستنزف بنار الجريمة المنظمة، وسط صمتٍ رسمي، وتراخٍ أمني، وتواطؤٍ مكشوف من مؤسسات الدولة.

لم تكن المظاهرة حدثًا عابرًا، بل محاكمة شعبية مفتوحة في قلب المدينة التي تُسوَّق كـ“عاصمة للديمقراطية”. رسالة مباشرة تقول:

نحن نموت في بيوتنا وشوارعنا، بينما يُترك القاتل طليقًا، والسلاح مشرعًا، والدم العربي بلا قيمة.

انطلقت المسيرة من ساحة متحف تل أبيب باتجاه ميدان “هبيما”، في اختيارٍ رمزي واعٍ. هناك ارتفعت الرايات السوداء، وهتف المتظاهرون ضد الجريمة المنظمة، مطالبين بجمع السلاح غير المرخّص، ومنددين بتقاعس الشرطة الإسرائيلية التي تتقن الحضور بعد الجريمة لا قبلها، وتترك العصابات معروفة الأسماء تعبث بالأمن دون محاسبة.

ما يجري في البلدات العربية داخل الخط الأخضر لم يعد يُقرأ كخللٍ أمني، بل كـسياسة ممنهجة: سلاحٌ منفلت لا يُصادَر، شبكات إجرامية لا تُفكَّك، ودمٌ عربي يُختزل في أرقام. سياسة تتقاطع مع تحريض علني قاده بن غفير، عبر توزيع السلاح على المستوطنين، وتسهيل انتشاره في الأراضي الفلسطينية، بما يغذّي الاقتتال الداخلي في الضفة وغزة، ويمتد أثره إلى عرب الـ48.

وتتعزز هذه الصورة مع شهادات متراكمة عن تواطؤ أمني، بينها أجهزة كـ“الشاباك”، في إدارة الجريمة داخل الأوساط العربية، بوصفها أداة ضبط وسيطرة، ونموذجًا من التهجير الناعم الذي ينزع الأمن ويدفع الناس للهروب من واقعهم.

النتيجة كانت مئات الضحايا، عائلات مكسورة، وأجيال تُدفَع قسرًا إلى العنف أو المقابر المبكرة. ورغم ذلك، لا يطالب الفلسطيني في الداخل إلا بحقه الطبيعي في الحياة والأمان. حقٌّ يصبح مؤجَّلًا حين يكون الضحية عربيًا، بينما تستنفر الدولة إذا ما مسّت الجريمة مجتمع الأغلبية اليهودية، لتسقط عندها أسطورة “المساواة أمام القانون”.

ما ميّز هذه المظاهرة لم يكن العدد وحده، بل وحدة الصوت والموقف. شباب وشيوخ، نساء ورجال، قيادات ونشطاء، اجتمعوا على مطلبٍ واحد لا يقبل التأجيل:

أوقفوا نزيف الدم.

ما جرى في تل أبيب كسر حاجز الصمت، ووضع الجريمة المنظمة في الداخل الفلسطيني أمام الرأي العام العربي والغربي، وعرّى رواية دولة تُدير الجريمة بدل أن تكافحها.

في تل أبيب، لم يخرج الفلسطينيون طلبًا للشفقة، بل إعلانًا للحقيقة:

دمنا ليس رخيصًا، وأمننا ليس أقل شأنًا.

قد تُطوى الرايات السوداء، لكن الاتهام باقٍ، والغضب حيّ، والرسالة واضحة:

إمّا عدالة تحمي الجميع بلا استثناء،

أو محاكمة شعبية ستتجدد… بصوتٍ أعلى.