لنا ما نتفاءل به وله
نشر بتاريخ: 2026/01/31 (آخر تحديث: 2026/01/31 الساعة: 20:14)

- ليس لنا إلا بذر البذور، ليتسنى لها النمو، وتصير نباتا وأشجارا نتفيأ ظلالها، ونأكل من ثمرها، وورقها إن كانت الأشجار عنبا.

- لكن الأرض غير محروثة، وتحتاج إلى تقليب، وجزء منها بور؟

- نحرثها، ونعيد التقليب لتحقيق المزيد من الخصوبة.

- الأمل؟

- وهل هناك غيره!

رغم ما في العنوان من نمطية وتعميم؛ إلا أنّ فيه، يا للمفارقة، ما يعيدنا إلى تقييم موضوعي لمرحلة ما بعد الاستقلال!

تلك هي الإشكالية التي وجدت الولايات العربية نفسها في ظل أواخر الحكم العثماني، وما بعده، حين أصبحت غنائم للدول التي رأت نفسها وريثة لها، وهي التي أطلقت على «الدولة العلية» لقبا مجازيا وواقعيا «رجل أوروبا المريض».

و»رجل أوروبا المريض» هو «لقب تاريخي أطلقه القيصر الروسي نيكولاي الأول في منتصف القرن التاسع عشر على الدولة العثمانية، دلالة على ضعفها الشديد، وتراجع قوتها العسكرية، واقتصادها المتهاوي أمام القوى الأوروبية. استُخدم المصطلح للإشارة إلى الدولة التي كانت تسيطر على أراضٍ واسعة قبل أن يبدأ تقاسم «تركتها».

ولكن بعد «رجل أوروبا المريض»، تجاوزت الولايات العربية المرض إلى ما هو أدنى، حيث راح الاستعمار يبيع ويشتري، لدرجة المنح الإنجليزي الذي تجلى بوعد بلفور، كأكثر سلوك استعماري لا يرى أمامه إلا تركة «رجل مريض».

الرجوع للتاريخ الحديث يخبرنا بما هو شكلي من تحقق استقلال بلادنا العربية، وهذا ما تعلمناه في الصف السادس الابتدائي، في السبعينيات، ضمن المناهج العربية، ولكن لا أدري لماذا مبكرا وأنا ابن 11 عاما، كنت غير مقتنع تماما؛ فمجرد رؤية الاحتلال في قريتنا ومدينتي القدس ورام الله، ثم نابلس والخليل، همست لنفسي: لم يكتمل الاستقلال العربي، ومن يومها وأنا أنظر نظرة شك لهذا المصطلح، وظل يزداد الشك حتى صار يقينا أول الشباب.

فلم نستقل حقيقة لا قبل الاستقلال ولا بعده، والدليل هو ما نرى ونشاهد، متابعين لما شهد الآباء ذلك والأجداد قبل ميلادنا الذي صادف عام الهزيمة، التي كانت في الأصل تتويجا للمضمون الذي نحن بصدده.

لذلك فرحنا واحتفلنا بأعياد الاستقلال العربية، حيث منحنا المستعمر هذا الاستقلال الشكلاني، ولكن في الجوهر لم يتغيّر الحال كثيرا، وكلما كبرنا وتجولنا في بلادنا تأكدنا من ذلك، وإن تمّ بشكل متفاوت، ذلك أن الدول الكبرى لم تكن لتسمح بذلك، فمنحنا التنافس الاستعماري الأوروبي - الأوروبي، ثم الأوروبي - الأميركي هامشا لممارسة السيادة السياسية.

أما الآن، فقد آن الأوان لدونالد ترامب مثلا، رئيس الدولة الكبرى، أن يسمي الأشياء بأسمائها، خاصة في ظل تنافسنا واقتتالنا عربيا وفلسطينيا، حيث كما يبدو فإن اللجان الإدارية، هي البديل للحكومات، حيث تمتد هذه الوسيلة إلى بلادنا العربية، على قدر ما يتمكن الأميركي، ولسان حاله الترهيبي لكندا وأوروبا، إنما هو ترهيب لنا أيضا، ونحن لسنا بقوتهما طبعا.

زمان.. كانت السياسة تقوم على الترغيب والترهيب، أما، اليوم، فثبت فقط الترهيب وتبخر الترغيب، ولم يبقِ الاستعمار الأميركي المعاصر مجالا. لقد تنافس الأميركان طولا مع بريطانيا، وصولا إلى قبولها بأن تكون دولة تابعة حتى وإن كانت عظمى، وهكذا الحال مع فرنسا، وسائر أوروبا.

لم نستقل حقيقة لا قبل الاستقلال ولا بعده، ولكننا اختلفنا؛ فكل دولتين جارتين لم تنجوا من التعارك على الحدود، وتجادلنا طويلا في الوطنية والقومية والإسلامية والأممية، وغضضنا الطرف عما نعرفه من أن استقلالنا لم يتمّ فعلا.

دراسة التاريخ موجعة، وصادمة، وبالطبع لا تحبّ المنظومات التاريخ، وليس هذا فقط، إنها تعلمه بشكل انتقائي لطلبة المدارس والجامعات، وتسطو على كيفية التعليم، بل وتمارس التغيير والتبديل والتزييف.

لا نحتاج جدلا حول أن ما وصلنا له من «وصاية» إنما هو نتاج لسوء الحكم والإدارة؛ فكيف قبلنا التخلص من استعمار لننتقل إلى استعمار آخر؟ لكن هذا ما تمّ وما زال يتم، وصولا إلى المدى الساخر، ولا نودّ فتح الجروح، احتراما وإشفاقا ولعله الأمل المتبقي بأن نحيا من جديد كما العنقاء. لكن طائر العنقاء الذي يحيا من جديد إنما هو ذو إرادة.

- إذاً؟

- كما قلت لا بدّ كما ترى، من بداية أكثر صلابة، حيث يصعب الوقوف على أرض رخوة.

- ؟

- في ظل الإرادة يحدث ما نريد.

هنا في هذا العالم ما يبعث على الأمل؛ لذلك قلنا، إن نبدع البقاء أولا، والتمسك بالعمل الوطني داخل القطر، أي تحقيق الوحدة الوطنية لكل بلد عربي، والعمل القومي ولو في الحدود الدنيا التي تزداد بذكاء استراتيجي تجنبا للترهيب والاستلاب.

وبالطبع فليس العالم كله صار ترامبويا، بل ما زال هناك مجال لعقلانية تهدف إلى عقد دولي مسالم وعادل، وقلب محب للسلام والإنسانية، التي أن تحققت فإنها تضمن تحقق المصالح لنا جميعا.

في الحرب على غزة تكشفت الوجوه والقلوب، وسيصعب على الشعوب والحكومات العيش بأمان، لذلك ثمة أمل في العالم لا يجب أن نفقده، وهو يقوى بالشعوب التي ازداد وعيها حرصا على مستقبلها، فليس هناك ضمان ألا يحدث لها ما حدث لغزة.

ومتمسكا بالأمل، أختم باقتباسات من الكلمة القوية والمؤثرة لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في سويسرا، الذي افتتح كلمته بقوله: «كل يوم، نتذكر أننا نعيش في زمن تنافس القوى العظمى، أي أن الدول الكبرى تتنافس بشدة على النفوذ والسيطرة. النظام القديم القائم على القواعد، وفكرة التزام الدول بقواعد مشتركة، آخذ في التلاشي. في أغلب الأحيان، يفعل الأقوياء ما يحلو لهم، ويُجبر الضعفاء على قبوله». ثم يميل إلى صراحة صادمة حين يقول: «لكننا كنا نعلم أيضاً أن هذه الصورة لم تكن كاملة. كنا نعلم أن الدول القوية كانت تستثني نفسها من بعض القواعد. كنا نعلم أن قواعد التجارة تُطبق بشكل غير متساوٍ. كنا نعلم أن القانون الدولي يُطبق بشكل مختلف تبعاً للمتهم والمتضرر». ليختتم بهذا التساؤل الساخر والعقلاني معا:

لكن دعونا نكن واضحين بشأن إلى أين سيؤدي هذا. عالمٌ من الحصون سيكون أفقر وأكثر هشاشة وأقل استدامة».

لذلك، لنا ما نتفاءل لأجله، غدا.

ولنا ما قال درويش: «لنا ما ليس يرضيكم، لنا المستقبل ولنا في أرضنا ما نعمل».

ليس هذا شعرا فقط إن تأملنا قليلا وفعلنا كثيرا!