فلسطين.. وانهيار النظام العالمي القديم
نشر بتاريخ: 2026/01/30 (آخر تحديث: 2026/01/30 الساعة: 14:46)

لم تعد التحولات الجارية في النظام الدولي مجرد مادة للنقاش الأكاديمي أو التحليل النظري، بل باتت تظهر بوضوح في خطاب قادة الدول الكبرى، وفي طبيعة التحالفات، وفي الطريقة التي تُدار بها الحروب وتسويات ما بعد الحروب. من دافوس إلى لندن، ومن بروكسل إلى واشنطن، ومن خطاب كارني رئيس الوزراء الكندي، إلى خطاب رئيسة وزراء الدنمارك، تتكرر إشارات واضحة إلى أن النظام العالمي الذي حكم العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة لم يعد قادراً على أداء وظائفه الأساسية، وأن العالم يدخل مرحلة انتقالية طويلة، غير مستقرة، وأشد قسوة على القضايا العادلة غير القابلة للتسليع.

النظام الدولي الليبرالي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، وتكرس بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، قام على أربع ركائز أساسية: قيادة أميركية شبه مطلقة، عولمة اقتصادية مفتوحة، مؤسسات دولية تضبط النزاعات، وخطاب قيمي يوحي بأن الديمقراطية وحقوق الإنسان أصبحتا معايير كونية. هذا النظام لم يسقط فجأة، بل تآكل تدريجياً بفعل الأزمات المالية العالمية، وفشل الحروب، وصعود الصين، وعودة الجغرافيا السياسية، ثم الصدمات المتلاحقة من جائحة كورونا إلى حرب أوكرانيا وحرب غزة. الأخطر من تراجع القوة الغربية هو تراجع التزامها الذاتي بقواعد هذا النظام، وتحول القانون الدولي إلى أداة انتقائية تُستخدم حين تخدم المصالح، وتُهمَل حين تعيقها.

العالم الذي يتشكل اليوم لا يشبه الحرب الباردة، ولا يقوم على توازن رادع واضح. نحن أمام تعددية غير متوازنة، تتوزع فيها عناصر القوة بين أطراف مختلفة. الولايات المتحدة متفوقة عسكرياً، الصين متفوقة صناعياً وتجارياً، أوروبا تمتلك قوة تنظيمية لكنها تعاني ضعفاً سياسياً واستراتيجياً، فيما تصعد قوى إقليمية تبحث عن أدوار وظيفية داخل هذا المشهد، لا عن قيادة النظام. في هذا السياق، تتراجع الأيديولوجيا، ويصعد منطق البراغماتية، وتتحول السياسة الدولية إلى إدارة مصالح ومخاطر، لا إلى تنظيم علاقات وفق قواعد مستقرة.

الاقتصاد لم يعد مجرد مجال للتبادل، بل أصبح سلاحاً. العقوبات، التحكم في التكنولوجيا، سلاسل التوريد، والطاقة، كلها أدوات صراع. التحالفات باتت مرنة وقابلة للتبدل، والقيم لم تعد محددات حاكمة بقدر ما أصبحت خطاباً مكملاً. في هذا العالم، لا يُكافأ من يملك خطاباً أخلاقياً، بل من يملك دوراً ووظيفة واضحة داخل النظام الجديد.

ضمن هذا المشهد، لا يعود الشرق الأوسط مركز القرار العالمي، لكنه يتحول إلى ساحة اختبار دائمة. المنطقة تقدم كل ما يحتاجه عالم يبحث عن إدارة الأزمات لا حلها: موارد طاقة، ممرات بحرية، نقاط اختناق تجارية، وصراعات يمكن احتواؤها دون إنهائها. دول الخليج، بما تمتلكه من فوائض مالية ومواقع استراتيجية وقدرة على المناورة بين القوى الكبرى، تتحول إلى رابح نسبي. لم تعد مجرد ممول، بل شريك تفاوضي قادر على لعب أدوار وساطة ونفوذ وتأمين مصالح متبادلة. مصر رغم أزماتها الاقتصادية، تستعيد وزناً وظيفياً بسبب قناة السويس ودورها في ملفات الأمن الإقليمي وغزة. إسرائيل تبقى رابحة اقتصادياً وتقنياً، لكنها تواجه كلفة سياسية وأخلاقية متزايدة كلما طال أمد الصراع وتعمق البعد الإنساني للحرب.

في المقابل، تخسر مناطق الصراع المفتوح. لبنان، سوريا، اليمن، وفلسطين تتحول إلى ملفات إدارة أزمة طويلة. في عالم الصفقات، الصراع الذي لا يمكن تحويله إلى معادلة قابلة للإدارة يتم تجميده، لا حله، وتُترك كلفته البشرية والسياسية على المجتمعات الواقعة تحته.

القضية الفلسطينية من أكثر القضايا تضرراً من هذا التحول، لا لأنها فقدت عدالتها، بل لأن النظام الذي كان يسمح بتحويل هذه العدالة إلى ضغط سياسي دولي قد تآكل. فلسطين اليوم تُدار بوصفها ملفاً إنسانياً وأمنياً، لا قضية تحرر وطني ذات أفق سياسي واضح. غزة تمثل النموذج الأوضح لهذا التحول، حيث لم يعد النقاش الدولي يدور حول إنهاء الاحتلال، بل حول من يحكم، من يمول، من يراقب، وكيف يُضمن الهدوء. إعادة الإعمار تُطرح كأداة ضبط سياسي، مشروطة بالاستقرار والحوكمة، لا كحق إنساني مستقل عن السياق السياسي. ويبقى ملف التهجير قائماً وغامضاً.

أوروبا تدفع باتجاه سلطة فلسطينية “قابلة للإدارة” و”مُصلحة”، ليس انطلاقاً من مشروع تحرري، بل بحثاً عن شريك يخفف من مخاطر الانفجار ويمنع انتقال الفوضى. أما الطروحات الأميركية التي تتجاوز الأطر الأممية، فتعكس توجهاً واضحاً نحو إدارة الصراع بأدوات الصفقة، حيث تُربط المساعدات والاعترافات بشروط أمنية وسياسية صارمة، ويُعاد تعريف السلام بوصفه ترتيباً وظيفياً لا حلاً عادلاً.

في هذا السياق، الخاسر الأكبر فلسطينياً هو الشعب الفلسطيني، المحاصر بين حرب طويلة، وانقسام سياسي، وتحول قضيته إلى عبء إنساني في نظر العالم. الخسارة لا تنتج فقط عن موازين القوى، بل أيضاً عن غياب مشروع سياسي موحد قادر على مخاطبة العالم بلغة هذا العصر. الخاسر سياسياً هو كل من يراهن على تحالفات وأدوات فاشلة ومحدودة وعلى الخطاب الشعبوي، أو عنصر الزمن. هذه أدوات صُممت لعالم انتهى. في النظام الجديد، من لا يمتلك مشروعاً سياسياً قابلاً للتفاوض، وقدرة على تقديم نفسه كجزء من حل إقليمي أوسع، يتحول إلى هامش دائم.

أما أي ربح فلسطيني محتمل، إن بقي هناك هامش له، فلن يكون لطرف بعينه، بل لمسار يعيد السياسة إلى مركز القضية. مسار يعيد بناء التمثيل الوطني، يطرح نموذج حوكمة قابل للحياة، ويربط القضية الفلسطينية باستقرار الإقليم ومصالحه، دون التفريط بجوهر الحقوق. دون ذلك، ستبقى فلسطين ملفاً مُداراً، لا قضية تحرر حيّة.

العالم يدخل مرحلة قاسية، تحكمها الصفقات لا القواعد، وتديرها توازنات مؤقتة لا منظومات مستقرة. في هذا العالم، لا يكفي أن تكون على حق، ولا يكفي أن تمتلك قضية عادلة أو معاناة أخلاقية. الربح لمن يستطيع تحويل قضيته إلى عنصر فاعل في معادلات النظام الجديد، والخسارة لمن يبقى أسير خطاب نظام انتهى. فلسطين اليوم تقف أمام خيار صعب، إما إعادة تعريف ذاتها سياسياً في عالم تغيير جذرياً، أو البقاء رهينة إدارة أزمة طويلة، غامضة بلا أفق واضح.