ذكرتني حملة سحب الجنسية الكويتية من مستحقيها القدامى، الذين أسدوا خدمات جليلة لهذا البلد، بأمسية شيقة امضيتها قبل نحو عشرين سنة، مع الأب الأول لوزارة الخارجية الكويتية الأستاذ طلعت الغصين، الفلسطيني الأصل واحد اثنين فلسطينييْن (مع حسن الدباغ) من فرسان الديبلوماسية الكويتية اللذين بدأ عملهما بمهمة الحصول على اعتراف منظمة الأمم المتحدة بدولة الكويت الناشئة، ثم أصبحها سفيربن لهذا البلد الشقيق لدى واشنطن ولندن.
قرأت الليلة تغريدات لعواجيز من أخيار الكويت، يحتجان على سحب الجنسية من أحفاد الراحليْن طلعت وحسن، ضمن تجريدة السحب المستهجنة التي تشهدها الكويت اليوم.
عن تلك الأمسية أتذكر أنني كنت في زيارة الى تونس وكان صديقي حسن الغصين (أبو سيف) عندما علم بسفري الى تونس، قد أوصاني بزيارة عمه طلعت، الذي كان يمضي أيامه الأخيرة في فيلا اشتراها في الحي الجديد الكائن على شاطيء بحر العاصمة التونسية.
اتصلت بالحاج طلعت وطلبت اللقاء فرحب كثيراً وأرسل لي سائقه، ولما وصلت الى الفيلا، فتح لي الباب شاب أنيق يرتدي بدلة رسمية. دخلت ولاحظت سريعاً أن الشاب قد اختفى. كان الحاج طلعت يجلس في صالون مغطى جداره الطويل بصور مؤطرة، تروي تاريخ حياته، منذ أن بدأ صديقاً حميماً للشيخ صباح الأحمد، الذي ترأس الخارجية الكويتية لأربعة عقود، قبل أن يصبح الأمير الخامس عشر للكويت منذ نشأتها السياسية.
كان الرجل مرحاً، حلو الحديث، متدفقاً يفاخر بكل شيء أنجزه أو حصل عليه للكويت، ومن بين الأشياء التي نوّه اليها باعتزاز، أن زوجته الفلسطينية التي يقدمها ككويتية في واشنطن، هي التي فازت بصورة غلاف مجلة التايم الأمريكية كأكثر زوجات الديبلوماسيين هناك أناقة.
في بداية جلستي سألت الحاج طلعت عن الشاب الأنيق الذي فتح لي الباب ثم اختفى، وكان تقديري أنه أحد أبنائه. رد علي الحاج طلعت بطريقته المشوّقة: في الإجابة عن سؤالك هناك ثلاثة مفاجآت. قلت له تفضل يا عم طلعت:"ما هي؟". قال: هو ليس ابني لكنه بمثابة الإبن والمفاجأة الأولى إنه سفير الكويت الحالي لدى الجمهورية التونسية، واختفاؤه لأنه يلتزم التعليمات بمقاطعة منظمة التحرير على أثر موقفها من احتلال العراق لبلاده قبل سنتين. أما المفاجأة الثانية فهي أن الشاب فلسطيني الأصل ومن غزة. أما المفاجأة الثالثة فهو من أسرة مسيحية فلسطينية لأنه نجل اللواء خليل يوسف شحيبر الذي أسس الشرطة الكويتية، وما يزال الإبن على ديانة أسرته...
في الشرح، قَصّ عليَّ الحاج طلعت، كيف أن الإنجليز في الأربعينيات، كانوا يختارون فلسطينييين من قطاعات الخدمات لتأسيس إدارات الخدمة في الكويت، لكي تتأهل الإمارة إلى طور الدولة.
سألت الحاج طلعت عن أحمد خضر الطرابلسي حارس مرمى المنتخب الكويتي في كرة القدم في الستينيات. فقال:"الطرابلسي لبناني" وكان الكويتيون يسمونه الحارس الأمين. وهو ما يزال على قيد الحياة، وقد فوجيء مع أبنائه وأحفاه، بقرار سحب جنسيته مع عدد كبير من ذوي الأصول العربية. وللأسف لم تكن هناك ذريعة سوى أنهم اشتغلوا في الكويت مقابل رواتبهم، بينما ذريعة الرواتب يمكن ان تنطبق على آخرين من أصولٍ أخرى بلوشية وغيرها.