فلسطين في معمعان الحرب إن وقعت!
نشر بتاريخ: 2026/01/23 (آخر تحديث: 2026/01/23 الساعة: 20:17)

قبل كل شيء، فإن الحرب مع وعلى إيران إذا وقعت فهي لن تكون حرباً شاملة وطويلة أو ممتدّة لأنها ستكون الفخّ القاتل الذي تدرك أميركا استحالة ربحها، وحتمية الهزيمة التي تنتظرها إذا طالت.

وهذا الاستنتاج لا يحتاج إلى دليل، وليس هناك من يؤيّد مثل هذه الحرب على أيّ مستوى من مستويات صنع القرار، وخيار الحرب الطويلة والممتدّة لم يُطرح أمام رئيس أميركا دونالد ترامب، وهو مستثنى كلّياً بسبب خطورته، وبسبب كارثية التورّط فيه.

ولذلك فإن الحرب إن وقعت فستكون ضربات خاطفة ومركّزة ضد أهداف حيوية منتقاة بعناية، وبدهاء، أيضاً، لإحداث خلخلات جدّية في قوة النظام، وفي قدراته، وخلخلات تمهّد لتوازنات سياسية جديدة في بنيته الداخلية تمهّد الطريق للمفاوضات القادمة.

ومن هنا فإن «هدف» إسقاط النظام على الأرجح ليس وارداً كهدف مباشر، وعلى الأرجح أكثر، أن «كلفة» إسقاط النظام، والذهاب إلى «الفوضى» أعلى بكثير من كلفة «بقائه» في ضوء هدف الخلخلة التي أشرنا إليها.

بطبيعة الحال هذا الموقف ليس هو الموقف الإسرائيلي، إذ إنه، وكما نعرف لا يهمّ أن تحدث الفوضى، ولا أن يدمّر الخليج العربي، بل إنها ــ دولة الاحتلال ــ ستشجّع عليها لو كان الأمر بيدها من دون تردّد.

ولهذا كله فإن المنطق ــ مع علمنا ومعرفتنا بانعدام المنطق عند ترامب وحاشيته العقارية ــ يقضي بأن لا تؤدّي الضربات الخاطفة إذا وقعت إلى الانزلاق نحو المحظور، أو نحو الحرب الشاملة الممتدّة واستطراداً يطرح السؤال الآتي:

كيف لأحد في هذا العالم كلّه أن يضمن عدم الانزلاق هنا؟

الجواب: لا أحد. ما هو الحل إذاً؟

الحل الوحيد الممكن ــ كما أرى ــ أن يقوم ترامب ــ إذا كان لا بدّ من ذلك ــ بتوجيه ضربة سريعة وخاطفة، مركّزة ومدمّرة في بعض أوجهها، وأن يكون لدى إيران فرصة الردّ الأولى، ويعلن ترامب مباشرة وقف إطلاق النار من جانب واحد، أملاً بأن ينتهي التصعيد هنا، بصرف النظر عن أيّ ادعاءات إعلامية وتلفزيونية بعدها.

وبالتالي فيمكنه في ضوء ذلك أن يدّعي بأن مجيء إيران إلى طاولة المفاوضات هو ثمرة هذه الضربة، وأن إيران في طريقها إلى الموافقة على شروطه. المهمّ برأيي هو «ضمان» عدم الانزلاق.

«قطع» الرؤوس الكبرى والعليا في هذه الحالة هو وصفة مضمونة للانزلاق، وليس لعدمه، والمغامرة باللجوء إليه لا تعني سوى الحرب الشاملة والممتدّة، ويكون ترامب في هذه الحالة قد بدأ بحسابات البيدر قبل حسابات الحقول.

هل ستبلغ به الرعونة والعنجهية إلى هذا الحدّ؟.. ليس لديّ جواب.

نعود الآن إلى فلسطين في معمعان ذلك كلّه.

إذا وقعت الحرب بصيغتها المخفّفة، والممسرحة من جانب ترامب، فإن فلسطين لن تكون على جدول أعمال المفاوضات بصورة مباشرة، لا هي، ولا حتى لبنان وسورية، وإنّما ستكون جزءاً من عملية التهدئة التي تكون قد فرضت نفسها على الإقليم كلّه، دون أن يكون ذلك بالضرورة، ودون أن ينطبق على الموقف الإسرائيلي، لكن «الجديد» هنا هو أن حدود المشاغبة الإسرائيلية تكون قد «حُدّدت» بما لا يتجاوز، وبما لا يصل إلى التفجير، وقد تكون حدود الصلف الإسرائيلي دون المضيّ قُدماً في عمليات جماعية من التهجير، ودون القدرة على «الضمّ» الرسمي، ودون القدرة على حشد إجماع داخلي على الذهاب إلى حروب جديدة في غزّة ولبنان وسورية والعراق.

والأهم دون قدرة على الاحتفاظ بحكم «اليمين» العنصري كلّه، وعلى الأغلب دون استمرار «اليمين» الفاشي بالمعادلة الداخلية كلّها.

أما إذا ذهبت الأمور إلى الحرب الشاملة الممتدّة فإن الخطر على فلسطين سيكون كارثياً، كما أرى، ومن زاوية معينة، وليس من حيث المبدأ.

في هذه الحالة سيلجأ نتنياهو إلى الاستمرار في حالة الفوضى للحروب المدمّرة، والتهجير، والضمّ، وارتكاب المجازر، وسيراها كفرصة لن تتكرّر إلّا إذا وصل الموقف الأميركي إلى حدود «إسقاط» هذه الحكومة فوراً ــ وهذه المسألة مشكوك فيها، وإلّا إذا استشعر النظام العربي كارثية «الجنون» الصهيوني، وأقدم على خطوات وإجراءات عملية، مباشرة وملموسة تلزم دولة الاحتلال وتلجمها فعلياً، وهذه مسألة مشكوك بها حتى الآن، ولكنها ليست مستبعدة كلياً، خاصة إذا شعرت «دول الطوق» بالتهديد المباشر لنفسها ولمصالحها التي تهدّد وجودها.

دون ذلك سنكون أمام نكبة جديدة حقيقية.

أمّا إذا تم لجم حكومة التطرف «اليميني» العنصرية للأسباب كلها، فإن دولة الاحتلال تكون قد خسرت هذه الحرب كلياً، ليس من زاوية الاعتبارات الإستراتيجية فقط، لأن هذه المسألة برأيي قد تمّت فعلاً، وإنما من زاوية القدرة على تماسك الدولة والمجتمع، ومن زاوية «السلم» الداخلي فيها، ومن زاوية الافتراق التاريخي الجديد بالبقاء كدولة مؤسّساتية يهودية، أو كدولة فاشية، عاجزة وفاشلة ومعزولة وفي الحالتين سيكون المشروع الصهيوني كلّه، وبصرف النظر عن درجة عدوانيته وتوسّعيته وعنصريته قد دخل بأرجله إلى مرحلة الانكفاء والانحسار التاريخي، ويكون مشروع التحرّر الوطني الفلسطيني قد دخل مرحلة التجسّد والتبلور الكياني الوطني المستقلّ.

ومن هذه الزاوية تحديداً فإن الحرب على إيران تحمل في طيّاتها مخاطر وفرصاً، ما زالت قيد التشكّل، وما زالت برسم النتائج والسياقات التي ستتمخّض عنها هذه الحرب.

لكن العنصر الذي يحاول نتنياهو التستّر عليه في هذه الحرب إن وقعت، بصيغتها المخفّفة، أو الشاملة والممتدّة لها ثمن كبير آخر.

إذا أدّت الحرب المخفّفة إلى المفاوضات، وبقيت إيران قوية ومتماسكة فإن على دولة الاحتلال أن تقلع شوكها بيديها إذا قرّرت التمرّد، وأن عليها أن تعترف بمحدودية دورها ومشروعها إذا أقرت بالواقع، وفي كلتا الحالتين ستفسر وحدة وتماسك الدولة والمجتمع، بعد أن تكون قد خسرت الأهداف والمشروع.

وهنا تكمن خديعة نتنياهو الأهم والأكبر في تاريخه كلّه

ونفس هذه الحرب، بصرف النظر عن صيغتها ستكون فرصة وحيدة، ولن تتكرّر لفرض الحقوق الوطنية الفلسطينية على الواقع إذا ما أصبح «الفتك» الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني كلفة تفوق دولة الاحتلال على تحمّلها، وتحوّلت الحالة الإسرائيلية إلى حالة استنزاف حقيقية، سواء بسبب استمرار الحرب وتحوّلها هي بحدّ ذاتها إلى حرب استنزاف كبرى، أو بسبب انفجار الأوضاع الداخلية فيها.

والشرط الوحيد «لنجاح» هذه الفرصة الفلسطينية هو إعادة الاعتبار لمفهوم التحرّر الوطني الفلسطيني، وتوحيد الحالة الوطنية من على هذه القاعدة بالذات، وليس من على أيّ قاعدة أخرى، بكل ما يتطلّبه ذلك من إعادة بناء وطني، وديمقراطي، مقاوم من حيث جوهر المشروع، وديمقراطي من حيث القرار، وقادر على التكيّف مع أدوات الكفاح الوطني وأشكاله، حسب المعطيات القائمة، وحسب الممكنات الضرورية ولن يتم الوصول إلى هذه المرحلة من النضج قبل الوصول إلى، والتوصّل إلى قناعات راسخة ويقينية بأن العالم قد تغيّر، وأن التوازنات الدولية تنقلب، وأن الإقليم كلّه على شفا متغيّرات جذرية، وتطوّرات دراماتيكية في بعض الأوجه والمجالات.

أميركا تستخدم القوة لفرض الإتاوات على شعوب الأرض كلّها، لأنه بات من المستحيل عدم السقوط في هاوية محدقة إلّا بمثل هذه القوة، ومهما كان ذلك مكلفاً على الأصدقاء قبل الأعداء، وأوروبا نفسها باتت في عين الهدف، لأن الاقتراب من الصين أو روسيا هو أكبر الأخطار.

لا وجود لقانون دولي، ولا لمؤسسات دولية، ولا لشرعية دولية بعد اليوم.

ما هو موجود هو كيف تجمّع أوراق القوة لديك، وأوراق القوة في حالتنا الوطنية موجود بقوة سوى أننا لا نملك القيادات القادرة، والراغبة بتجميعها، والعمل على توظيفها، والعزم على تجاوز كل ما يحول دون القدرة على الاستمرار في هذه الحرب، إن وقعت، وإن لم تقع، وسواء كانت تحريكية للمفاوضات، أو تمهيدية للتفاوض بشأنها فإنها عملية سياسية إستراتيجية طويلة.

ستتحوّل فيها اليمن دولة إقليمية جديدة، وستفرض فيها إيران نفسها على الإقليم، وحالة الفوضى أخطر على أميركا من خطرها على إيران، والحرب ستأتي مرة أخرى على البحر الأحمر، ومصر والعربية السعودية لن تتمكنا من التهرّب منها، وتركيا مهما ناورت وداورت ستجد نفسها متورّطة في شظاياها السورية والليبية، والإقليم ما زال في بدايات تحوّلاته الكبرى.

دون أن تدرك فلسطين الناضجة كل ذلك فلن تتمكّن من البقاء الفعّال وسط هذا المخاض، وفي منتصف تلاطم أمواجه، وسيلقى بنا على شواطئ الحالة العربية، كحالة ملحقة، وتحت الوصاية، ومن دون حول ولا قوّة.