أطباء بلا حدود في فش فرش.. حين يصبح النظام والأمن وجهًا آخر للإنسانية
نشر بتاريخ: 2026/10/30 (آخر تحديث: 2026/10/31 الساعة: 01:45)

في مواصي خانيونس، وتحديدًا في منطقة فش فرش على مشارف بحر غزة، تقع نقطة طبية تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود، تقدم خدماتها الصحية للمرضى والنازحين في ظروف إنسانية استثنائية فرضتها الحرب والدمار والنزوح.

خلال زياراتي للمركز، لفت انتباهي مستوى النظام والانضباط، وحسن التعامل مع المرضى منذ لحظة دخولهم البوابة وحتى مغادرتهم. تبدأ الرحلة من غرفة الفرز الطبي، مرورًا بصالة الانتظار التي تشهد تقديم الإرشادات والتثقيف الصحي والنفسي، وصولًا إلى العيادات المختلفة، من العلاج وتغيير الضمادات والعلاج الطبيعي، إلى عيادات الأطفال والتطعيمات والنساء والولادة، وانتهاءً بشباك الصيدلية.

لكن ما يستحق التوقف عنده ليس النظام وحده، بل الروح الإنسانية التي ترافقه. فقد شاهدت موقفًا عندما شعر أحد المرضى المسنين بالتعب، فبادر مدير النظام والأمن، المعروف بأبو العبد، إلى إحضار كرسي متحرك بنفسه، ومرافقته داخل العيادة حتى الصيدلية، ثم مساعدته في الخروج وتأمين عودته إلى خيمته.

وفي موقف إنساني آخر، شاهدت شابًا يرافق امرأة مسنة تتكئ على عكازها، ويساعدها في حمل أدويتها، متنقلًا معها إلى غرفة الأمراض المزمنة، ومرافقًا إياها حتى استكمال علاجها وانتهاء رحلتها الطبية داخل المركز.

قد تبدو هذه التصرفات بسيطة، لكنها في واقع النزوح والحرب تحمل معاني كبيرة؛ فالإنسان لا يحتاج إلى الدواء وحده، بل إلى من يخفف عنه مشقة الطريق ويحترم ضعفه ويحفظ كرامته.

ومن الجوانب الاجتماعية اللافتة، إنشاء المنظمة مجموعة عبر تطبيق واتساب بعنوان «أصدقاء أطباء بلا حدود»، تضم المخاتير والوجهاء ورجال الإصلاح وممثلي المخيمات، لتعزيز التواصل المتبادل، ونقل رسالة المنظمة إلى النازحين، وإيصال احتياجات الأهالي ومشكلاتهم إلى الجهات المعنية، إلى جانب عقد اجتماعات دورية معهم.

وتبرز هنا أهمية الشراكة المجتمعية، فالمخاتير والوجهاء لا يقتصر دورهم على نقل الاحتياجات، بل يتدخلون أيضًا في احتواء بعض الإشكالات وحل الخلافات التي قد تنشأ بين المرضى والعاملين.

فنحن نعيش ظروفًا استثنائية من الحرب والفقد والدمار والضغوط النفسية، التي قد تنعكس على سلوك النازحين وتؤدي أحيانًا إلى التوتر أو سوء الفهم أمام الإجراءات التنظيمية. وهنا يصبح الاحتواء والتوجيه بالحكمة والأخلاق ضرورة لضمان سير العمل الطبي وحصول الجميع على الخدمة بكرامة وعدالة.

إن النظام في المؤسسات الصحية ليس مجرد بوابات وتعليمات وطوابير انتظار، بل ثقافة احترام ومسؤولية وحماية لحقوق المرضى.

وفي الختام، نتقدم بالشكر والتقدير لإدارة أطباء بلا حدود – إسبانيا في مواصي خانيونس، منطقة فش فرش، ولجميع الطواقم الطبية والإدارية والعاملين في النظام والأمن، كما نثمّن متابعة الإدارة العامة في الأردن لسير عمل المنظمة، في ظل رحيل الطواقم الأجنبية بقرار إسرائيلي، واستمرار العمل بإدارة فلسطينية ميدانية وإشراف ومتابعة من الطواقم الأجنبية في الخارج.

ففي زمن الحرب، لا يحتاج الإنسان إلى الدواء وحده، بل يحتاج إلى قلب يشعر بوجعه، ويد تساعده، وإنسان يصون كرامته. تلك هي الإنسانية حين تتحول من شعار إلى ممارسة يومية.