قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: «لو كان الفقر رجلًا لقتلته». وأقول: لو كان الانقسام رجلًا، لوجب انتزاع خنجره المسموم من خاصرة الوطن قبل أن يفتك بما تبقّى من وحدتنا الوطنية والتنظيمية. فالفقر قد يحاصر الإنسان في لقمة عيشه، لكن الانقسام يحاصر شعبًا بأكمله في إرادته ومستقبله، ويحوّل الخلافات السياسية والتنظيمية إلى نزيف مفتوح يدفع الفلسطينيون ثمنه من حياتهم وأحلامهم وحقهم في الحرية.
وحين ينقسم البيت الفلسطيني على نفسه، يصبح أكثر عرضة لرياح الاحتلال، وتتراجع قدرته على مواجهة التحديات، ويغدو ترميم المشروع الوطني أكثر صعوبة. لذلك، لم تعد المصالحة ترفًا سياسيًا أو مجاملة بين القيادات، بل ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.
في المشهد الفتحاوي، تتصدر الخلافات بين الرئيس محمود عباس والقائد الفلسطيني محمد دحلان واجهة الانقسام. لكن هل تنتهي الأزمة بمجرد اتفاق الرجلين؟ وهل تكفي المصافحة وإعلان المصالحة لمحو سنوات من القطيعة والتباعد؟
لنتخيّل لقاءً في القاهرة يجمعهما، وينتهي بإعلان المصالحة ودمج تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح. سيكون ذلك تطورًا يستحق الترحيب، لكنه لن يكون نهاية الحكاية، بل بداية الطريق الأصعب؛ فالمصالحة أكبر من لقاء القيادات، وأعمق من بيان سياسي، وأبعد من صورة تُلتقط أمام عدسات الكاميرات.
لقد خلّفت سنوات الانقسام جراحًا تنظيمية وسياسية واجتماعية ونفسية، وأضعفت الثقة بين أبناء الحركة ومؤسساتها. وهذه الآثار لا تُمحى بقرار، ولا تُعالج بخطاب احتفالي؛ بل تحتاج إلى سنوات من العمل الصادق، وإرادة حقيقية تعيد بناء العلاقات، وتحترم التعددية، وتفتح أبواب الشراكة أمام الجميع.
وهنا يبرز السؤال الأهم: إذا كان الجميع يتغنّى بالبرنامج الوطني الفتحاوي في المنابر والخطابات، فأين تكمن الأزمة؟ أفي البرنامج ذاته، أم في آليات تنفيذ القرارات الوطنية، وفي غياب الإرادة القادرة على تحريك عجلة التقدم داخل بنية السلطة الوطنية ومؤسسات الحركة؟
إن المصالحة الحقيقية تبدأ بتوحيد القرار، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، واحترام إرادة القواعد، والاحتكام إلى الانتخابات الديمقراطية، وإشراك الشباب والمرأة في صناعة المستقبل. كما أن المصالحة الفتحاوية ينبغي أن تكون مدخلًا لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية الأوسع، على قاعدة الشراكة واحترام إرادة الشعب، لا مجرد تسوية تنهي خلافًا بين قيادات.
إن الانقسام كابوس مزعج لشعبنا الفلسطيني، الذي يحاول دقّ جدران الخزان، لكنه يخشى أحيانًا أن توقظ دقّاته أصحاب السيادة من القيادات، وكأن صوت المواطن أصبح عبئًا على من يفترض أنهم يحملون أمانته. رحم الله غسان كنفاني، الذي ترك لنا في روايته «رجال في الشمس» إرثًا ما زال يحاكي واقعنا؛ فقد آن الأوان ألا نبقى عالقين في الخزان، وألا نكتفي بدقّ جدرانه، بل أن نمتلك إرادة الخروج قبل أن يخنقنا الصمت وتبتلعنا الخلافات.
إن شعبنا يريد أن يعيش بكرامة، لا أن يظل يتلقى الضربات بين مطرقة الاحتلال الإسرائيلي وسندان الانقسام الفلسطيني.
فالانقسام الفتحاوي والفلسطيني خنجر مسموم في خاصرة الوطن، وانتزاعه لا يكفي وحده لشفاء الجرح؛ بل يحتاج الوطن إلى إرادة صادقة، وشراكة حقيقية، ومؤسسات تستعيد ثقة شعبها. المصالحة ليست أن تنتهي الخصومة بين القيادات فحسب، بل أن تنتهي معها أسباب الانقسام، وأن يستعيد المواطن ثقته بوطنه ومستقبله.
ويبقى السؤال: هل نمتلك شجاعة انتزاع الخنجر والبدء في تضميد جراح الوطن، أم نتركه ينزف سنوات أخرى؟