هآرتس تكشف شهادات جنود إسرائيليين عن استهداف المدنيين في غزة
نشر بتاريخ: 2026/10/12 (آخر تحديث: 2026/10/12 الساعة: 17:52)

تل أبيب: كشفت شهادات أربعة جنود إسرائيليين خدموا في وحدات الاستخبارات ومنظومة الطائرات المسيّرة عن تغيّرات في آليات تحديد الأهداف العسكرية وقواعد تنفيذ الهجمات في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفق تحقيق نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية.

وبحسب التحقيق، شملت التغيّرات توسيع معايير تصنيف الأشخاص بوصفهم أهدافًا عسكرية، وتعديل تقديرات التناسب بين المكاسب العسكرية المتوقعة والخسائر المدنية المحتملة، إلى جانب تسهيل استهداف أشخاص لا يشاركون مباشرة في القتال، ضمن ما يُعرف عسكريًا بـ«الأضرار الجانبية».

وتأتي هذه الشهادات في وقت يعلن فيه الجيش  بصورة متكررة تنفيذ هجمات وعمليات اغتيال تستهدف عناصر وقادة في قطاع غزة.

وأشار التحقيق إلى أن الجيش أعلن، يوم الأحد، اغتيال قائد سرية في قوة النخبة خلال الأسبوع السابق، كما أعلن قبل ذلك استهداف عدد من عناصر حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

لكن الصورة، بحسب «هآرتس»، كانت مختلفة في الأيام الأولى التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر 2023، حين واجهت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية صعوبة في إعادة بناء صورة ميدانية عن الخصم، في ظل نقص المعلومات المتراكمة عن المستويات العملياتية الدنيا في حركة حماس.

تقليص جمع المعلومات قبل هجوم 7 أكتوبر

ذكر التحقيق أن شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان» أصدرت، قبل الحرب بنحو عام، توجيهات بعدم التركيز مجددًا على المستويات الميدانية والتنفيذية الأدنى من مستوى قائد اللواء. وجاء ذلك، وفق التقرير، بناءً على اعتقاد لدى القيادة الإسرائيلية بأن إنشاء الحاجز تحت الأرض والجدار الجديد جعلا احتمال تنفيذ عملية تسلل واسعة النطاق أمرًا مستبعدًا.

وبناءً على هذه التوجهات، تراجع جمع المعلومات المتعلقة بالعناصر الأقل رتبة في حماس، بما في ذلك طبيعة أعمالهم ووظائفهم ومصادر دخلهم والأشخاص الذين يتواصلون معهم.

ونقلت الصحيفة عن جندي استخبارات، عرّفت عنه بالحرف «أ»، وكان مسؤولًا عن أهداف حماس في قطاع غزة، قوله إن التعليمات كانت تقضي بترك المستويات الميدانية، بما يشمل قادة الكتائب والسرايا والمقاتلين وعناصر النخبة، والتركيز على قادة الألوية فما فوق ومنظومة الصواريخ فقط.

وأضاف الجندي: «لم نكن نعرف شيئًا عن حماس وجناحها العسكري على المستوى الميداني. في 7 أكتوبر بدأنا العمل من الصفر تقريبًا لتحديد أفرادهم ونشطائهم».

مطاردة المعلومات وتوسيع قائمة الأهداف

وبحسب التحقيق، تحول الفراغ الاستخباراتي، إلى جانب الشعور بالفشل والإخفاق والانتقاد الذاتي داخل المؤسسة العسكرية، إلى سباق محموم لجمع المعلومات بعد هجوم 7 أكتوبر.

وقال الجنود الأربعة الذين تحدثوا إلى «هآرتس» إنهم شهدوا تغييرات سريعة في المعايير المستخدمة لتحديد الأشخاص المصنفين على أنهم مسلحون، وتحولًا في طريقة تقدير التناسب عند استخدام الأسلحة الثقيلة، فضلًا عن تخفيف القيود المتعلقة باستهداف المدنيين غير المشاركين في القتال.

وأشار التحقيق إلى أن هذه التطورات أدت، بحسب الشهادات، إلى ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين الذين صُنّفوا ضمن «الأضرار الجانبية» الناتجة عن استهداف أهداف عسكرية.

وأوضح التقرير أن سياسة إطلاق النار الإسرائيلية قبل 7 أكتوبر كانت تستند، بدرجة كبيرة، إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها مبدأ التناسب، مع السعي إلى الحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين غير المشاركين في الأعمال القتالية.

وكانت هذه السياسة تتجلى، وفق الصحيفة، في إجراءات صارمة وآليات موافقة معقدة على عمليات الاغتيال في المناطق المكتظة بالسكان.

واستشهد التحقيق بعملية جرت في سبتمبر/أيلول 2003، خلال فترة تولي آفي ديختر رئاسة جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك»، حين وصلت معلومات استخباراتية وصفت بأنها بالغة الأهمية عن اجتماع سري لقيادة حماس، ضم أحمد ياسين ومحمد الضيف و إسماعيل هنية ، في الطابق العلوي من مبنى في غزة.

وذكر التقرير أن الخطة الأصلية كانت تقضي بإلقاء قنبلة ثقيلة على الاجتماع، لكنها أُلغيت في اللحظة الأخيرة خشية إصابة المدنيين الموجودين في الطوابق السفلى، واستُبدلت بها قنبلة أصغر تزن ربع طن. ولم تؤدِّ القنبلة إلى إسقاط المبنى، ونجا القادة المستهدفون من الهجوم.

في المقابل، ترسم شهادات الجنود الذين قابلتهم الصحيفة صورة مختلفة لقواعد الاشتباك خلال الحرب الأخيرة، إذ يقولون إن استهداف أشخاص ذوي أهمية عسكرية محدودة بات يُقرن أحيانًا بقبول مخاطر كبيرة على المدنيين.

وبحسب التحقيق، فإن الأعداد المرتفعة لما يُعرف بـ«الأضرار الجانبية» لم تكن، وفق هذه الشهادات، مجرد نتيجة أخطاء منفردة في تحديد الأهداف، بل ارتبطت بتوسيع سياسة إطلاق النار. وأضافت الصحيفة أن شهادات مماثلة نُشرت خلال سنوات الحرب الثلاث، وأن السعي إلى تعويض الإخفاق الاستخباراتي الذي وقع في 7 أكتوبر أسهم، وفق التقرير، في تقليل الاهتمام بحجم الخسائر المدنية.

«هاجمنا أسماكًا صغيرة»

تحدث أحد الجنود عن دخول أشخاص إلى شعبة الاستخبارات العسكرية لم يكونوا من العاملين في وحداتها، بمن فيهم جنود احتياط لم يسبق لهم العمل في الاستخبارات، جرى استقدامهم من أماكن مختلفة للمشاركة في إدارة الأهداف.

وقال الجندي «أ»: «جلسوا في إدارة الأهداف وبحثوا عن أكثر الأهداف هامشية، الأسماك الصغيرة، لقتلها. كل من كان على فيسبوك يضع رموز حماس أو يقدم نفسه كعضو في حماس، كانوا يحددونه كهدف. بعضهم كان من رجال حماس، وآخرون كانوا مقاتلين، لكن حقًا كانت هذه أسماكًا صغيرة».

من جهته، أكد جندي آخر، عرّفته الصحيفة بالحرف «د»، خدم في خلايا الهجوم، وهي مقرات خلفية تتابع العمليات وتوفر المعلومات للقوات الميدانية، أن معايير تحديد الأهداف وأساليب العمل شهدت تغيرًا ملحوظًا.

وقال: «طالما علمونا أنه في الحرب ستستجد الأمور وتلبس لبوسًا آخر، لكننا رأينا أن الأمر يتعلق بحدث مختلف تمامًا؛ وأن الجيش الإسرائيلي فجأة يهاجم حتى صغار الصغار دون تمييز، وأنهم نسوا ما يعنيه اقتصاد الذخيرة. وصل الأمر إلى حد أننا هاجمنا سائقين في حماس».

وتتكرر في الشهادات، بحسب التحقيق، مسألة التفاوت بين أهمية الهدف العسكري وحجم القوة المستخدمة لاستهدافه، وبين الخسائر المدنية المحتملة التي جرى قبولها لتنفيذ الهجوم.

هجوم جباليا واستهداف إبراهيم بياري

وتناول التحقيق الهجوم الذي نفذه سلاح الجو الإسرائيلي في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على منطقة واسعة في مخيم جباليا للاجئين شمالي قطاع غزة، باستخدام قنابل ثقيلة. وكان الهدف المعلن للهجوم إبراهيم بياري، الذي وصفه الجيش بأنه قائد كتيبة مركز جباليا في حماس.

وقال المتحدث باسم الجيش ، في بيان صدر مساء ذلك اليوم، إن بياري كان من قادة هجوم 7 أكتوبر ومن المشاركين في إدارة المعارك شمالي القطاع، وإن عددًا من عناصر حماس قُتلوا معه في الهجوم.

وأضاف البيان أن استهدافه أدى إلى انهيار بنية تحتية تحت الأرض ومبانٍ مجاورة، فيما جدد الجيش دعوته السكان إلى التحرك جنوبًا، قال إنها تهدف إلى حمايتهم.

لكن الجنود الذين شاركوا في الجانب الاستخباراتي من العملية قدموا رواية مختلفة عن الظروف التي سبقت تنفيذ الهجوم، مؤكدين أن المعلومات المتوافرة لديهم آنذاك لم تكن تحدد بدقة المبنى الذي يوجد تحته بياري.

وقال الجندي «د»: «كنا نعلم أن بياري في النفق/تحت الأرض، تحت عدة مبانٍ كبيرة، لكننا لم نتمكن من تحديد ذلك بدقة، تحت أي مبنى هو بالضبط».

وأضاف أن القرار اتُّخذ باستهداف عدة مبانٍ كانت لا تزال مأهولة بالسكان، وإسقاط المباني المقامة فوق النفق الذي يُعتقد أن بياري يوجد فيه. وتابع: «لم نجرِ عملية إخلاء، لأن القتل كان مهمًا دون أن يهرب».

وبحسب الجندي «أ»، الذي شارك أيضًا في المهمة، كان واضحًا للعاملين في غرفة إدارة الضربات أن الهجوم قد يؤدي إلى سقوط عدد كبير من المدنيين غير المشاركين في القتال.

وقال إن تقديرات الأضرار الجانبية المحتملة التي أُعدت في شعبة الاستخبارات العسكرية تراوحت بين 250 و300 شخص، ولذلك أُحيل القرار إلى رئيس أركان الجيش للمصادقة المباشرة عليه.

في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إن تقدير الخسائر المدنية المحتملة كان أقل بكثير من هذه الأرقام، لكنه أقر، وفق ما نقلته الصحيفة، بأن الأضرار الفعلية تجاوزت التقديرات الأولية.

وأشار الجندي «أ» إلى أن تقييمًا للأضرار أُجري بعد الهجوم لفحص النتائج الميدانية، موضحًا أن التقديرات اعتمدت، من بين مصادر أخرى، على بيانات صادرة عن حماس، اعتبرها معقولة نسبيًا، وإن لم تكن دقيقة بالكامل.

وأضاف: «كلما مر الوقت، ندرك أن عدد القتلى يصل إلى نحو 250. أتذكر أنني ذُهلت من تدمير عدة مبانٍ متراصة ومأهولة ومقتل وإصابة المئات، لمجرد تصفية قائد كتيبة لم يكن يُعتبر حتى قبل أسابيع قليلة هدفًا جمع استخباري بالنسبة لنا».