في توقيت تتزايد فيه التحركات السياسية الفلسطينية استعدادًا للاستحقاقات الانتخابية، عقد تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح لقاءً تنظيميًا تناول جملة من الملفات المرتبطة بمستقبل التيار، والمصالحة الفتحاوية، والاستعدادات للانتخابات، إلى جانب تقييم دوره خلال سنوات الحرب وما رافقها من تحديات سياسية وإنسانية.
وفي قراءة لمضامين اللقاء، قال أستاذ العلوم السياسية الدكتور أيمن الرقب إن اجتماع التيار جاء في توقيت مهم، في ظل تصاعد الحديث عن الانتخابات الفلسطينية والاستعدادات المرتبطة بها، مشيرًا إلى أن التيار أجرى خلال الفترة الماضية سلسلة مشاورات مع قواعده التنظيمية في قطاع غزة والضفة الغربية ومناطق وجوده المختلفة، بهدف بحث مستقبل مشاركته في المشهد الانتخابي.
وأوضح الرقب في تصريحات خاصة لـ«الكوفية»، أن اللقاء لم يقتصر على الانتخابات، بل استعرض أيضًا مسار التيار خلال فترة الحرب، والجهود التي بذلها على المستويين الإنساني والسياسي، مؤكدًا أن النقاش ركز على كيفية التعامل مع تداعيات الحرب وتقليل الخسائر، وتثبيت الشعب الفلسطيني على أرضه.
وأشار إلى أن التيار طرح خلال الأيام الأولى للحرب مواقف هدفت، وفق ما جرى عرضه في اللقاء، إلى تخفيف الضغوط عن قطاع غزة، ومن بينها الدعوة إلى الإفراج عن المدنيين من الأسرى الإسرائيليين، باعتبار أن استمرار احتجازهم قد يتحول إلى ورقة ضغط دولية على القطاع.
وعلى صعيد المصالحة الفتحاوية، كشف الرقب أن التيار ما زال ينتظر ردًا على عدد من المطالب التي طرحها خلال لقاءات سابقة مع قيادات في حركة فتح، ومن بينها معالجة ملف الفصل التنظيمي، وإعادة الحقوق التنظيمية والرواتب للكوادر الذين تم فصلهم أو قطعت رواتبهم، إلى جانب ملفات أخرى مرتبطة بترتيب البيت الفتحاوي.
وبحسب الرقب، فإن جهود المصالحة الفتحاوية حظيت بدور مصري، مشيرًا إلى أن القاهرة استضافت لقاءات وبذلت جهودًا لدفع هذا المسار إلى الأمام، إلى جانب دورها في ملفات المصالحة الفلسطينية الأوسع.
ثلاثة سيناريوهات أمام تيار الإصلاح
وفيما يتعلق بالانتخابات، أوضح الرقب أن النقاش داخل التيار يدور حول ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمشاركة.
ويتمثل السيناريو الأول في خوض الانتخابات بقائمة مستقلة تمثل تيار الإصلاح الديمقراطي، بما يسمح بقياس حجم الكتلة التصويتية التي يستطيع التيار الحصول عليها.
أما السيناريو الثاني، فيتعلق بتشكيل قائمة أو تيار وطني واسع يضم أطرافًا وقوى فلسطينية مختلفة، على أساس مهني بعيد عن المحاصصة الحزبية، بحيث يتم اختيار المرشحين وفق معايير الكفاءة، مع الالتزام بالقواعد السياسية المتفق عليها.
ويتمثل السيناريو الثالث في إمكانية تشكيل تحالف فتحاوي يضم تيار الإصلاح الديمقراطي وقوى فتحاوية أخرى، في ظل وجود أطراف وشخصيات فتحاوية تبحث بدورها عن صيغ للمشاركة في الاستحقاق الانتخابي المقبل.
وأكد الرقب أن القرار النهائي بشأن أي من هذه السيناريوهات سيعود إلى قيادة تيار الإصلاح، مشددًا على أن كوادر التيار ستلتزم بما تقرره القيادة بعد استكمال المشاورات ودراسة مختلف الخيارات.
الانتخابات.. تجديد للشرعيات أم تأجيل جديد؟
وشدد الرقب على تمسك التيار بإجراء الانتخابات باعتبارها محطة لإعادة تجديد الشرعيات الفلسطينية وإصلاح النظام السياسي، محذرًا من تكرار سيناريو تأجيل انتخابات عام 2021.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن العقبات المرتبطة بإجراء الانتخابات في القدس أو قطاع غزة لا تعني بالضرورة استحالة تنظيمها، معتبرًا أن هناك بدائل يمكن بحثها، بما في ذلك حلول مرتبطة بالتصويت وآليات تنظيم العملية الانتخابية بما يضمن مشاركة الفلسطينيين.
كما لفت إلى أن تحديث السجل الانتخابي يمثل تحديًا في قطاع غزة، في ظل الظروف الميدانية وصعوبة الوصول إلى المواطنين والبنية التحتية المتضررة، لكنه رأى أن هذه العقبات يمكن التعامل معها إذا توافرت الإرادة والتوافق السياسي.
نحو إعادة ترتيب المشهد الفلسطيني
ووفق الرقب، فإن أهمية الانتخابات بالنسبة لتيار الإصلاح لا ترتبط فقط بالمنافسة على المقاعد، وإنما بما يمكن أن تفضي إليه من إعادة ترتيب للنظام السياسي الفلسطيني وتجديد شرعيته.
وقال إن التيار ينظر إلى الانتخابات باعتبارها فرصة لإعادة بناء النظام السياسي على أسس أكثر مشاركة، والانتقال من حالة الانقسام والتعطيل السياسي إلى صيغة تسمح بمشاركة أوسع للقوى الفلسطينية.
وفي هذا السياق، طُرحت إمكانية قيام إطار وطني انتخابي واسع يضم أطرافًا فلسطينية مختلفة، على أن تكون المشاركة وفق معايير مهنية وليس على أساس المحاصصة الحزبية، بما يتيح تشكيل قوائم ذات طابع وطني جامع.
من الإغاثة إلى البرنامج الانتخابي
وفي ختام حديثه، أشار الرقب إلى أن تيار الإصلاح لم يطرح خلال فترة الحرب نفسه باعتباره طرفًا يبحث فقط عن مكاسب سياسية، بل ركز على الحضور إلى جانب الفلسطينيين في الملفات الإنسانية والإغاثية.
وأوضح أن التيار يرى أن أي برنامج انتخابي مستقبلي لن يقتصر على الجانب السياسي، وإنما سيحتاج إلى برنامج اجتماعي واقتصادي وإغاثي يستجيب لاحتياجات المواطن الفلسطيني، إلى جانب رؤية سياسية مرتبطة بالمشروع الوطني.
وبذلك، يبدو أن المرحلة المقبلة بالنسبة لتيار الإصلاح الديمقراطي ستشهد حسمًا لعدد من الملفات، في مقدمتها شكل المشاركة الانتخابية، وإمكانية بناء تحالفات وطنية أو فتحاوية، ومصير مسار المصالحة داخل حركة فتح، في ظل اقتراب الاستحقاق الانتخابي وضرورة اتخاذ قرارات تنظيمية وسياسية واضحة.