هل تتحول المقاطعة الأوروبية ضد إسرائيل إلى فعل حقيقي؟
نشر بتاريخ: 2026/09/29 (آخر تحديث: 2026/09/29 الساعة: 14:03)

تتزايد في أوروبا الدعوات والإجراءات ضد إسرائيل، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة وتصاعد إرهاب المستوطنين والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. وما كان في السابق مجرد احتجاجات شعبية ومظاهرات وبيانات سياسية، بدأ ينتقل تدريجياً إلى إجراءات اقتصادية وثقافية ورياضية، تطرح سؤالًا أكبر: هل تتحول المقاطعة من أداة ضغط على الحكومة الإسرائيلية إلى مسار لعزل إسرائيل نفسها؟

أحدث المؤشرات جاء من هولندا، حيث دخل قرار حظر استيراد منتجات المستوطنات حيز التنفيذ في 22 أيلول/سبتمبر، مع فرض قيود على شراء وبيع هذه المنتجات وتقديم الخدمات التي تساعد على تجارتها، في خطوة قالت الحكومة الهولندية إنها تهدف إلى مواءمة سياستها التجارية مع القانون الدولي الذي يعتبر المستوطنات غير قانونية.

ويشمل القرار المنتجات التي مصدرها المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان السوري المحتل، فيما لا تزال التقارير عن تطبيق هذه الإجراءات على المسافرين محدودة حتى الآن.

وهولندا ليست وحدها؛ فقد سبقتها إسبانيا وإيرلندا وبلجيكا في اتخاذ إجراءات مماثلة، فيما أعلنت دول أخرى، بينها بريطانيا وفرنسا، نيتها فرض قيود على استيراد منتجات المستوطنات، على خلفية تصاعد إرهاب المستوطنين والتوسع الاستيطاني، بما في ذلك مخطط البناء في منطقة E1 التي تربط القدس بمحيط مستوطنة معاليه أدوميم.

وتأتي هذه الخطوات أيضاً في سياق تغير واضح في الخطاب الأوروبي تجاه إسرائيل. ففي بريطانيا، وصف وزير الخارجية إيد ميليباند ما يجري في مناطق من الضفة الغربية بأنه "تطهير عرقي" يرتكبه مستوطنون، وقال إن الحكومة الإسرائيلية تغض الطرف عنه، معلناً أن الموقف الرسمي البريطاني أصبح اعتبار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية غير قانوني. كما قال رئيس الوزراء أندي برنهام إن بلاده لم تعد مستعدة للوقوف متفرجة على ما يجري.

هذه الإجراءات تستند، في الخطاب الأوروبي، إلى موقف قانوني وسياسي واضح من المستوطنات، وليس إلى مقاطعة إسرائيل بوصفها دولة. ولذلك من المهم عدم الخلط بين مقاطعة منتجات المستوطنات والمقاطعة الشاملة لإسرائيل. لكن الخط الفاصل بينهما قد يصبح موضع اختبار إذا استمرت الحكومة الإسرائيلية في سياساتها الحالية.

وقد حذر عدد من الدبلوماسيين الإسرائيليين من أن استمرار الحكومة في سياستها قد يؤدي إلى عقوبات ومقاطعة أوسع، مشيرين إلى تجربة جنوب إفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري، وإلى احتمال امتداد الإجراءات من الأراضي المحتلة إلى إسرائيل كلها إذا استمر الائتلاف الحالي في الحكم. وتظهر مخاوف مماثلة في القطاع المالي؛ إذ حذر مفتش سابق على البنوك في إسرائيل من احتمال امتداد العقوبات إلى شركات إسرائيلية والمنظومة المصرفية والمالية، وصولاً -في سيناريو متطرف- إلى قيود على النشاط المصرفي مع بنوك أوروبية كبرى. لكن هذه التحذيرات تظل حتى الآن سيناريوهات إسرائيلية وليست سياسة أوروبية موحدة ومقررة.

المسار الآخر لا يأتي من الحكومات فقط، بل من المؤسسات الثقافية والرياضية وهيئات البث. فقد تصاعدت الدعوات الأوروبية إلى مقاطعة إسرائيل في المجال الثقافي، ومن أبرزها الجدل حول مشاركتها في مسابقة الأغنية الأوروبية "يوروفيجن"، وفي الوقت الذي أعلنت فيه هيئة البث الإيرلندية عدم المشاركة في "يوروفيجن 2027" احتجاجا على مشاركة إسرائيل، أعلنت هيئة البث العامة الهولندية عودة البلاد إلى المسابقة.

وفي الرياضة، وصلت الدعوات إلى المقاطعة إلى المنتخب الإيرلندي لكرة القدم. ورغم دعوات سياسية لإلغاء المباراة أمام إسرائيل، قرر المنتخب خوضها في المجر، فيما أفادت تقارير بأن حارس المرمى غافين بازونو انسحب من القائمة. ووضع اللاعبون الإيرلنديون شارات سوداء على أكتافهم احتجاجا على الحرب في غزة.

السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هناك مقاطعة أوروبية اليوم؛ فهناك بالفعل إجراءات ومبادرات في مجالات مختلفة، وإنما إلى أين يمكن أن تقود هذه الإجراءات؟ هل تستخدم الحكومات الأوروبية العقوبات والقيود التجارية للضغط على إسرائيل لتغيير سياساتها في غزة والضفة الغربية، ثم تتراجع عنها إذا حدث تغيير سياسي؟ أم أن ما يجري يعكس تحولاً أعمق في علاقة أوروبا بإسرائيل، نتيجة اتساع الغضب الشعبي الأوروبي من الحرب وما يرافقها من انتهاكات وسياسات استيطانية؟

هناك ما يدعم الاحتمال الأول؛ فالعديد من الإجراءات الحالية تستهدف المستوطنات والأنشطة المرتبطة بها، وليس الاقتصاد الإسرائيلي بأكمله، ما يعني أن الهدف المعلن هو الضغط على الحكومة الإسرائيلية في ملفات محددة، خصوصًا الاستيطان. لكن هناك أيضًا مؤشرات على احتمال اتساع دائرة الضغط؛ فالمقاطعة الثقافية والرياضية تستهدف إسرائيل ككل، بينما بدأت التحذيرات داخل إسرائيل نفسها تتحدث عن احتمال انتقال العقوبات من المستوطنات إلى قطاعات اقتصادية ومالية إسرائيلية.

وتظل النتيجة الاقتصادية لهذه الإجراءات غير واضحة؛ فالاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لإسرائيل، وبلغ حجم التجارة بين الطرفين أكثر من 42 مليار يورو في عام 2024، لكن حجم التجارة المرتبط مباشرة بالمستوطنات محدود مقارنة بإجمالي التجارة.

لذلك، لا يتعلق السؤال فقط بحجم الخسائر الاقتصادية المباشرة، وإنما بقدرة هذه الإجراءات على تغيير حسابات الحكومة الإسرائيلية. فإذا بقيت محصورة في المستوطنات، فقد تظل أداة ضغط محدودة. أما إذا انتقلت إلى قطاعات إسرائيلية أوسع، وخصوصًا الاقتصاد والمال والثقافة والرياضة، فقد تتحول من إجراءات متفرقة إلى مسار أكثر اتساعاً للعزلة.

حتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية للقول إن أوروبا اتخذت قراراً جماعياً بعزل إسرائيل أو مقاطعتها. لكن من الصعب أيضاً تجاهل أن شيئاً ما قد تغير في العلاقة الأوروبية مع إسرائيل: المقاطعة لم تعد مجرد شعار في الشارع، بل بدأت تظهر، بدرجات متفاوتة، في قرارات حكومية ومؤسسات ثقافية ورياضية وتجارية. والأيام المقبلة، ولا سيما ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، قد تكون اختباراً حقيقياً: هل تستخدم أوروبا هذه الإجراءات كورقة ضغط مؤقتة، أم تبدأ بتحويلها إلى سياسة طويلة الأمد إذا استمرت إسرائيل في الحرب والاستيطان؟