عـن لـغـز الأديـرة الـمـنـعـزلـة
نشر بتاريخ: 2026/09/23 (آخر تحديث: 2026/09/23 الساعة: 16:00)

في رحلة عائلية إلى وادي القلط على مقربة من أريحا، سلكنا طريقاً متعرجاً بانحناءات حادة، تحيط بها التلال من كل الاتجاهات. بعد نصف ساعة شعرنا كما لو أننا دخلنا الوادي المفقود، ازدادت وعورة الطريق، وازدادت معها عزلة المكان، إلى أن وصلنا مدخل الدير.. ثلاثة أقواس حجرية باسقة، تقف على رأس منحدر حاد، شعرنا أننا انتقلنا إلى عالم آخر دفعة واحدة؛ منظر من النوع الذي لا يُنسى: إلى الشمال والغرب ثمة وادٍ سحيق ينحدر إلى الأسفل بقوة، في الجهة المقابلة تماماً، ثمة جدار صخري مهيب بارتفاع نحو مئة متر، في هذا الفضاء السابح بين الجبلين، وعلى كتفَي الوادي لا تجد سوى الصمت مؤكداً على عذرية المكان، وعلى تواصله مع الزمن السحيق.. في وسط هذا الجدار الصخري، ينتصب دير «القديس جورج»، في منظر بديع يحبس الأنفاس، ويضفي على المشهد سحر الغموض.. أول ما تراه تتساءل بعفوية: كيف بُني هذا الدير؟! وأي فنان قدّه من الصخر!؟ ولماذا هذا المكان الذي تعزله عن العالم ممرات وعرة لا تسلكها إلا الضواري والطيور الجارحة!؟ من يسكن هذا الدير؟! وكيف وصلوا هنا أصلاً؟!

أثار الموضوع اهتمامي فشرعتُ بالبحث لأجد أنه ليس الوحيد من نوعه، على الأقل هنا في فلسطين وحسب القائمة المعدة لليونسكو يوجد 73 موقعاً شبيهاً. أشهرها «دير القرنطل» غرب أريحا (تأسس سنة 480م)، و»دير القديس مار سابا» بالقرب من العبيدية (تأسس سنة 483م)، وأقدمهم «دير القديس خارِيتون» (تأسس سنة 330 م).

قبل بناء تلك الأديرة، مع نهايات القرن الثالث الميلادي، أخذ النساك المسيحيون يتجهون إلى برية القدس وأريحا؛ فوجدوا في وادي القلط ما يبحثون عنه: العزلة، والكهوف، ومصادر المياه، فأنشؤوا شبكة من الأديرة في الصحراء بين القدس وأريحا والبحر الميت تحولت مع مرور الوقت إلى مجتمع موازٍ يضم المغاور، والكنائس، وخزانات المياه، ومخابز، وحدائق صغيرة يزرعون فيها بعض الخضراوات، وحجرات للنسخ والكتابة، ومكتبات، وطرقاً تربط الأديرة ببعضها. ولم يكن اختيار تلك المواقع مصادفة معمارية أو جغرافية، بل ظاهرة تاريخية بدأت من مصر وانتقلت إلى فلسطين وسورية وآسيا الصغرى وإيطاليا، وحتى إثيوبيا، تعود جذورها إلى القرنين الثالث والرابع الميلاديَّين، ثم بلغت ازدهارها في القرنين الخامس والسادس.

ولكن لماذا بنيت تلك الأديرة على قمم الجبال، وفي أكثر الأماكن وعورة وعزلة؟

الأسباب متعددة ومتداخلة؛ العزلة تعني الهروب من العالم، أو الانسحاب من المجتمع.. والعزلة تعني أيضاً الزهد، حيث كان الناسك يبتعد عن المدينة والسلطة والمغريات اليومية، ليكرس حياته للصلاة والتأمل، بهذا المعنى لم تكن الصحراء أو الجبل مجرد منظر جميل؛ كانت أداة روحية. إضافة لوجود رابط بين جغرافيا المكان والنصوص الدينية. فمثلاً في المخيال المسيحي المبكر، الصحراء هي المكان الذي ذهب إليه موسى، وعاش فيه الأنبياء.. دير القرنطل ارتبط بتجربة المسيح الأربعينية.. عموماً أراد الرهبان أن يكونوا قريبين من الأماكن المقدسة، أي أن اختيار البرية حمل معنى دينياً قائماً بذاته.

أما اختيار الأماكن الوعرة؛ فربما لأن الراهب لا يريد فقط أن يكون بعيداً عن الناس؛ بل أراد أن يكون الوصول إليه صعباً وشاقاً وخطراً، سواء من قبل اللصوص، أو من قبل السلطات الحاكمة خاصة في فترات الاضطهاد الديني، أو من قبل الجيوش الغازية، لذا اختيرت مواقع الأديرة بحيث لا يمكن الوصول إليها إلا بممرات صغيرة ومنزلقات خطرة، أو باجتياز وادٍ سحيق وضيّق، لكن بعد أن صارت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية لم يعد اضطهاد المسيحيين هو التفسير الوحيد؛ أصبحت العزلة نفسها قيمة دينية؛ فالصمت صلاة، وصعوبة الوصول اختبار للإرادة.

وهذا يفتح سؤالاً جديداً: ألا يتعارض اختيار المواقع الصعبة والنائية للأديرة مع مهمة التبشير، التي تقتضي تسهيل وصول المؤمنين للدير؟

قد يكون الجواب أن للدير مهمات تختلف عن الكنيسة، فالدير للعزلة والتأمل، حتى أن بعض الأديرة تجمد فيها الزمن، كانت في البداية فردية أي أنّ «ناسكاً منفرداً» يعيش وحده في كهف أو صومعة، إلى أن وضع «باخوميوس» في مصر نموذجاً للرهبنة الجماعية في القرن الرابع، بحيث يعيش الرهبان معاً وفق نظام وقواعد مشتركة. وأصبحت تجمعات النساك والصوامع أساساً لما تسمّى اللافرا، حيث يعيش الرهبان منفردين معظم الوقت لكنهم يجتمعون للصلاة والمناسبات الدينية.

لكن ظاهرة الأديرة النائية والمنعزلة لم تقتصر على فلسطين، سنجدها بكثرة في مصر، وسورية، وتركيا، وفي أثيوبيا حيث توجد كنيسة تعد الأخطر من نوعها في العالم، من حيث إمكانية الوصول إليها، إذ تحتاج مهارات خاصة في التسلق، وأي خطأ بسيط يكلف المؤمن حياته.

إذاً، بدأت الرهبنة كحركة منعزلة عن العالم، لكنها انتهت إلى صناعة عالم جديد؛ فبعض الكنائس بدأت بوصفها كهوفاً للنساك ثم توسعت وتحولت إلى منشآت دينية أكبر.. وهنا يجب أن نتذكر أنّ الرهبان لم يكونوا يعيشون في فضاء مثالي؛ بل كانوا يتعاملون مع السلطات الحاكمة، والإمبراطوريات، والضرائب، والقبائل، والحروب، والحجاج، والسلطات الدينية، وأحياناً كانوا يملكون نفوذاً سياسياً.. والأهم لديهم أسرارهم الخاصة.

قبل هذه الظاهرة بقرون، كان «الأسينيون» قد لجؤوا للأماكن المعزولة هرباً من اضطهاد السلطات الدينية الرسمية، والأسينيون جماعة يهودية ذات نظام ديني صارم انفصلت عن التيار الديني السائد بسبب خلافات عميقة حول الشريعة، والكهنوت، واختبأ أفرادها في موقع خربة قمران في القرن الثاني قبل الميلاد (هناك عُثر على مخطوطات البحر الميت، التي تعد أهم وثيقة مكتوبة في التاريخ). ويُقال: إنَّ بعض أفراد جماعة قمران فروا إلى قلعة متسادا غرب البحر الميت عندما اقتربت جيوش الرومان في القرن الأول الميلادي.

إذا اتفقنا أن العامل المشترك بين تلك الأديرة هو انعزالها، وبعدها عن الطرق التقليدية، وصعوبة الوصول إليها.. فهل هذا ينطبق على مكة المكرمة؟ من حيث أنها تقع في منطقة نائية، بعيدة عن طرق التجارة الدولية، يصعب الوصول إليها، ولا تتمتع بعوامل الجذب التاريخية، فليس فيها زرع ولا أشجار، ولا نهر ولا بحيرة، وبعيدة عن البحر، وأمطارها شحيحة، ومناخها قاسٍ وحار.. فلماذا وكيف صارت منشأ الإسلام؟ وهل غار حِراء امتداد لظاهرة اعتزال النساك في المغر النائية؟

في البحث في هذا الموضوع الشائك سنواجه أسئلة محيرة تربك العقل.. سنناقشها في مقال قادم.