القمة الصينية الأميركية: نهاية الحرب أم بداية جديدة لها؟
نشر بتاريخ: 2026/09/21 (آخر تحديث: 2026/09/21 الساعة: 14:30)

جدول أعمال هذه القمة زاخر كما هو معروف بقضايا شائكة، ولا توجد قضية واحدة متفق أو حتى متوافق عليها بين البلدين الأعظمين في العالم.

توجد فقط مشاريع يتم الإعداد لها، أو ربما تم تحضيرها للتفاهم والتوافق والاتفاق عليها أو على بعضها في المجالات التجارية، والاستثمارية والتكنولوجية إضافة لقضايا الأمن الدولي وبؤر التوتر العالمية وعلى رأسها حروب الشرق الأوسط، وقبلها تايوان والتوتر الناجم عنها في آسيا والبحر الصيني.

الرئيس ترامب يعوّل كثيراً على هذه القمة، ويراهن على ما يمكن أن يساعده بعض نتائجها على الخروج من أزماته المتلاحقة والتي يكاد يختنق بها على أبواب الانتخابات النصفية.

ما يهمنا في هذه القمة هو السؤال التالي

هل أن ترامب بات مستعداً «لبيع» تايوان مقابل تخلي الصين عن دعم إيران؟ ومقابل حوافز صينية استثمارية لانتشال الاقتصاد الأميركي من أزماته التي لم تعد خافية على أحد بمن فيهم قادة العالم كله في الصين وروسيا وأوروبا وآسيا وبمن فيهم طبعاً «الفيدرالي» والخزانة و»البنتاغون»، وزعماء المال والأعمال في الولايات المتحدة نفسها؟.

ترامب يجهز أوراقه قبل زيارة الرئيس الصيني

الورقة الأولى هي ورقة استعراضية حول جزيرة غرينلاند.

يعتقد ترامب أن بعض المكاسب قد تحققت له فعلاً في ضوء ما سماه الاتفاق الجديد مع الحكومة الدنماركية بالرغم من الإعلان الدنماركي الرسمي الذي قلص كثيراً من ادعاءات ترامب.

والورقة الثانية هي المراهنة على اتفاق جديد مع الصين حول برامج الذكاء الاصطناعي وهي ورقة حساسة يمكن أن يراهن على اختراق بشأنها وهي قابلة للتحقق والإنجاز.

والورقة الثالثة هي محاولته، أي ترامب الحصول على «مزايا» خاصة وربما بأسعار فائدة تفضيلية على سندات الخزانة الأميركية بعد رفع الفيدرالي لأسعار الفائدة ٠,٢٥% من سعر نقطة الأساس، وإبقاء الفوائد الصينية على هذه السندات عند حدود ما قبل سعر زيادة سعر الفائدة الأخيرة بعد قرار الفيدرالي الأميركي. وخصوصاً الآجلة الطويلة منها.

أما الورقة الرابعة والأهم فهي مقايضة تايوان بتخلي الصين عن دعم إيران، وذلك لأن الشرق الأوسط تحول موضوعياً إلى الورقة الأميركية الأولى والأخيرة في مسألتين أساسيتين: واحدة وجودية على مستوى المصالح الأميركية وقدرة الولايات المتحدة على الاستمرار بالحفاظ عليها، وأخرى مصيرية، وتتعلق بالمصير السياسي للرئيس ترامب وبالترامبية، وبمستقبل الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة.

ازداد الإقليم الشرق أوسطي تعقيداً وخطراً وحساسية بعد أحداث اليمن الأخيرة، وازدادت أزمات الطاقة أهمية بعد أن تبين أن إيران تحكم سيطرتها على مضيق هرمز، وجاءت المعارك في اليمن لتضفي على هذه الأزمات أبعاداً جديدة بعد احتلال وسيطرة أنصار الله على باب المندب، وبعد تعرض خط أنابيب النفط شرق غرب لضربات كبيرة، وبعد قصف أنصار الله لبعض المنشآت النفطية السعودية ما فاقم من تعقيد المشهد الميداني وعمق بصورة مباغتة من أزمة الطاقة.

ما علاقة ذلك كله بزيارة الرئيس الصيني لواشنطن؟

العلاقة كبيرة عضوية وربما مباشرة

لكن نحتاج إلى فهم هذه العلاقة في سياق أكبر، وأوسع وأطول من هذه العلاقة المباشرة في هذه اللحظة السياسية.

كما بتنا نعرف جميعاً، فقد باع ترامب أوروبا وبدأ عمليات انسحاب منظمة منها وفهمت بريطانيا، وكذلك فرنسا وألمانيا هذه الحقيقة، وتحولت أوكرانيا من رأس حربة للغرب في مواجهة روسيا إلى مصد للدفاع عن أوروبا في مواجهة روسيا بعد تخلي الولايات المتحدة عنها وبدأت بريطانيا بدق طبول الحرب، وبإجراءات احترازية منها الطلب من مواطنيها تخزين المواد التموينية، وأخذت فرنسا احتياطات أمنية خاصة حول المنشآت الحيوية الفرنسية، والحبل على الجرار في الدول الأخرى مثل بولندا وغيرها وغيرها.

المشهد الكلي في العالم يوحي بتوترات غير مسبوقة، وأوكرانيا تقوم بهجمات مكثفة بالطيران المسيّر على موسكو باستخدام مئات الطائرات، والقوات الأميركية موجودة في الشرق الأوسط، وما يسمى استنكاف الولايات المتحدة عن التدخل في اليمن ليس مؤكداً أو ربما كان مخادعاً، وهناك مؤشرات إسرائيلية على خداع كبير عبر عنه نتنياهو عندما قال، إنه لا ينوي الانسحاب من الحياة السياسية، وانه ينوي تزعم المعارضة «القادمة» في إشارة إلى أنه لم يعد يراهن على كسب معركة الانتخابات الإسرائيلية ... إذا جمعنا كل هذه المعطيات، وأضفنا لها مخرجات لم يعلن عنها عن اجتماع ألمانيا بمشاركة سبع دول عربية مع قائد القوات الأميركي، وقائد الأركان الإسرائيلي فإن ترامب ونتنياهو على ما يبدو ربما يعدان معاً لهجوم شامل على اليمن بهدف كسر الحلقة اليمنية كمقدمة لهجمات جديدة على إيران، أو لممارسة أعلى أشكال الضغط عليها إذا نجحت خطة ضرب اليمن.

هذا الاحتمال ما زال وارداً، ومن الخطأ القاتل إهماله أو التغافل عنه.

من هنا، فإن الرئيس ترامب ربما يخطط لتوجيه ضربته كي تضغط الصين على إيران، ولكي تدخل على خط الوساطة لتأمين قبول إيران بفتح المضيق بشروط أقل تشدداً من المعلن عنها وبحيث تتولى الصين رعاية وضمانة الوضع الجديد في تأمين فتح المضائق والممرات البحرية.

وأما أن تلوح أميركا بورقة «تدمير اليمن» لإنجاح أو إنجاح الوساطة الصينية لكي يخرج ترامب من الحرب بماء الوجه.

على كل حال، ترامب المأزوم على كل صعيد، ونتنياهو الذي بات يرى هزيمته بأم عينيه ربما يخططان معاً للإقدام على مغامرة كمحاولة أخيرة للإمساك بأوراق جديدة في الإقليم تحسن من واقع تدهور شعبيتهما من جهة، أو تحسن شروط صفقة شاملة في مجمل الإقليم إذا كان لا بد منها.

بقي أن نؤكد أن ترامب قد خسر كل شيء، وانتصاراته المزعومة هي محض إعلامية وحتى اختراقاته الجدية في سورية وفنزويلا بدأت بالاهتزاز حيث بدأت موجات الاحتجاج، وتبخرت أحلام ترامب حول النفط الفنزويلي لأنه مؤجل إلى سنوات عدة قادمة لكي يتحول إلى مكسب سياسي يحدث فوارق سياسية حقيقية إضافة إلى أن نظام الشرع لم يعد قادراً على تقديم خدماته الأمنية طالما هو عاجز عن حل الأزمة الاقتصادية في سورية، وهي أزمة في ظل أزمات الخليج الراهنة والمتوقعة لم تعد تحتل أي نوع من الأولوية لدى دول الخليج وغير الخليج.

الوضع الإسرائيلي والأميركي على حافة الإقدام على مغامرة مهما كانت جنونية إذا لم تقدم الصين طوق نجاة سريعا لتفادي آثارها وتبعاتها خصوصاً إذا كانت الضربة الأميركية استعراضية وسياسية لإدخال السعودية على خط حل الأزمة مع اليمن. أما إذا تجاوزت المغامرة الأميركية حدود الاستعراض الأميركي المعهود فتلك مسألة أخرى، وتبعاتها أكبر من مجرد بهلوانيات إعلامية أو محاولة لتأجيل الانتخابات أو الهرب منها.