‫عبد الرحمن بسيسو.. حين تضيق الألقاب عن احتواء الرجل‬
نشر بتاريخ: 2026/09/14 (آخر تحديث: 2026/09/14 الساعة: 19:55)

ليست قيمة الإنسان فى عدد المواقع التى شغلها، ولا فى الألقاب التى سبقت اسمه أو لحقت به، وإنما فى الخيط العميق الذى يجمع ما صنعه فى حياته، ويمنح أعماله المتباعدة معنى واحدًا، وقليلون هم الذين تتعدد ميادينهم، من دون أن تتشظى شخصياتهم، أو تبتلعهم المهنة والوظيفة والموقع، ومن هؤلاء القليلين الدكتور عبد الرحمن بسيسو.

مناضل ونقابى طلابى، وصحفى وكاتب مبدع وناقد وشاعر، ودبلوماسى وأكاديمي؛ غير أن هذه الصفات، على كثرتها، لا تكفى لتعريفه. بل ربما تحجبه إذا اكتفينا برصها إلى جوار اسمه؛ لأن بسيسو أكبر من مجموع ألقابه، وأغنى من أن تحيط به سيرة وظيفية، أو تختصره قائمة بالمؤسسات التى أنشأها والمواقع التى شغلها والكتب التى أصدرها.

إنه من ذلك الطراز من المثقفين الذين لم يفصلوا يومًا بين الفكرة والحياة، فلا النضال عنده شعار يُرفع، ولا الثقافة زينة تُضاف إلى السيرة، ولا العروبة خطبة حماسية تنتهى بانفضاض المجلس، كل ما آمن به حاول أن يجد له جسدًا فى الواقع: مجلة، أو كتابًا، أو مؤسسة، أو ندوة، أو شبكة من المبدعين، تجمعهم فكرة تتجاوز الحدود التى أقامتها السياسة بين أبناء الأمة الواحدة.

كان فلسطينيًا فى أعمق أعماقه، لكنه لم يفهم فلسطين باعتبارها جغرافيا مغلقة على جرحها، بل رآها قلبًا نابضًا فى جسد عربى واحد. ولذلك لم يكن انتماؤه القومى خصمًا من فلسطينيته، إنما كان سبيله الأوسع للدفاع عنها. وكان يعرف أن الثقافة الفلسطينية لا تزداد رسوخًا بالانكفاء على نفسها، بل بالحوار مع الإبداع العربى والإنساني، وأن قضية فلسطين، لا تنتصر حين تصبح شأنًا فلسطينيًا خالصًا، بل حين تستعيد مكانها بوصفها قضية حرية وعدالة وكرامة لكل العرب.

لهذا لم يؤسس مشروعًا ثقافيًا، إلا واستدعى إليه كتّابًا وشعراء وفنانين من مختلف الأقطار العربية، ولم يتعامل مع المثقف العربى باعتباره «ضيفًا» على المشروع الفلسطينى، بل شريكًا أصيلًا فيه، كانت مشروعاته الثقافية أوطانًا عربية صغيرة يقيمها حيثما حلّ، كأنه كان يقاوم بها ما فعلته الحدود والنزاعات والمنافى فى الوجدان العربى.

واللافت للنظر فى بسيسو، أن انتقاله من موقع إلى آخر لم ينتزع منه ما سبقه؛ فلم تُطفئ الدبلوماسية جذوة المناضل، ولم تجفف الأكاديمية روح الشاعر، ولم تبعده الكتابة عن متطلبات العمل المؤسسى، ولم تحوّل كثرة التجارب والأسفار قلبه إلى أرشيف بارد. ظل قادرًا على الدهشة والحماسة لفكرة جديدة، وعلى استقبال صديق قديم كأنه يراه للمرة الأولى، واستقبال من يراه للمرة الأولى، كأن صداقة بعيدة تجمعهما منذ سنوات.

أما مكانته الخاصة لدى، فلا ترجع فقط إلى ثراء تجربته الفكرية وتعدد ميادين عطائه، ولا إلى ما جمعنا لاحقًا من حوار وشراكة فى النشر، وإنما ترجع، قبل ذلك كله، إلى علاقة إنسانية عميقة ونادرة. فقد أصبح منذ لقائنا الأول واحدًا من أقرب الناس إلى نفسي؛ صديقًا تسقط معه المسافات، وتغدو عشرته امتدادًا طبيعيًا لألفة قديمة، كأننا لم نلتقِ فى صيف عام 1989، بل استأنفنا يومها صداقة بدأت فى زمن لا نذكره.

المشهد الأول: حين سبق الاسمُ صاحبه

دخل عبد الرحمن بسيسو حياتى قبل أن يدخل مكتبى بسنوات.

كان اسمه يتردد أمامى بقوة فى بيروت مطلع الثمانينيات، مقرونًا بمشروعات ثقافية وإعلامية لافتة للنظر، فى زمن لم تكن فيه بيروت مجرد مدينة، بل كانت عاصمة مفتوحة للثوار والمثقفين والمنفيين والحالمين العرب. هناك كانت القصيدة تجاور البندقية، وكانت الصحافة جبهة من جبهات المعركة، وكان المثقف مطالبًا، بأن يختبر أفكاره كل يوم تحت القصف وفى مواجهة الموت.

فى ذلك المناخ، أسس بسيسو عام 1980 مجلة «بلسم»، الصادرة عن جمعية الهلال الأحمر الفلسطينى، وتولى رئاسة تحريرها، بينما كان الدكتور فتحى عرفات، رئيس الجمعية، مشرفها العام، وتولى الكاتب والباحث عمر سعادة إدارة تحريرها.

لم تكن «بلسم» مجلة صحية بالمعنى التقليدى، ولا مجرد لسان إعلامى لجمعية طبية، وإنما كانت مجلة صحية واجتماعية وثقافية شاملة، تستكتب المبدعين والباحثين من مختلف الأقطار العربية، وفى مقدمتهم الفلسطينيون والمصريون، ومنذ ولادتها حملت بصمة بسيسو التى ستلازم مشروعاته كلها: أن تبدأ المؤسسة من مجال محدد، ثم تتسع حتى تصبح فضاءً للثقافة والمعرفة والحوار العربى.

وكان بسيسو، إلى جانب رئاسة تحرير المجلة، مديرًا عامًا لـ«جهاز الإعلام والتثقيف المركزي» التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. ومن هذا الجهاز صدر أول كتاب مطبوع ومصور، هو قصيدة أمل دنقل المطولة «لا تصالح»، مشفوعة برسوم أنجزها خصيصًا الفنان الفلسطينى توفيق عبد العال.

لم يكن اختيار «لا تصالح» مجرد انحياز جمالى إلى قصيدة كبيرة، بل كان موقفًا فكريًا وسياسيًا وأخلاقيًا، فقد خرجت القصيدة فى هيئة كتاب فنى يجمع الكلمة المصرية بالصورة الفلسطينية، وكأن بسيسو كان يعلن مبكرًا أن الثقافة ليست هامشًا على معركة التحرر، وإنما إحدى جبهاتها الأساسية، وأن القصيدة تستطيع أن تحمل من طاقة المقاومة ما تحمله البيانات والخطب، وربما أكثر.

وتوالت بعد ذلك إصدارات الجهاز، ومن أبرزها كتاب «ابن سينا.. الرجل الموسوعة»، لمجموعة مؤلفين، كان بسيسو واحدًا منهم، وكتاب «الصحة تحت الاحتلال» للدكتور فتحى عرفات، وفى كل إصدار كان يتأكد ذلك المزج الذى ميز تجربته بين المعرفة والجمال، وبين الوظيفة التثقيفية والموقف الوطنى، وبين فلسطين ومحيطها العربى.

وحين شن الكيان الصهيونى عدوانه على لبنان عام 1982، واستمرت الحرب ثمانية وثمانين يومًا، لم تتوقف «بلسم»، ولم يختبئ القائمون عليها خلف طبيعتها الصحية والثقافية. تغيرت مهمتها لتستجيب للحظة التاريخية، فتحولت إلى نشرة إخبارية يومية تحمل الاسم نفسه، وتتخصص فى رصد جرائم الاحتلال وانتهاكاته، وتوثيق ما تسفر عنه الغارات والاعتداءات على المناطق اللبنانية من شهداء وجرحى ومصابين وخسائر فادحة.

كانت النشرة تمد الصحافة اللبنانية والعربية والعالمية، ومنظمات حقوق الإنسان، وهيئات الأمم المتحدة والسفارات، بالمعلومات الدقيقة عن نتائج العدوان. ونهض بعبء تحريرها يوميًا، وعلى نحو تبادلي، عمر سعادة، مدير تحرير المجلة، والشاعر المصرى حلمى سالم، الذى كان يتولى تحرير زاويتها الثقافية.

هكذا كان بسيسو يفهم العمل الثقافى: ليس ترفًا ينكمش ساعة الخطر، وإنما مسئولية تتغير أدواتها حين تتغير حاجات الناس، المجلة الصحية الثقافية تصبح، تحت القصف، وثيقة اتهام يومية للاحتلال، والمحرر الثقافى يتحول إلى شاهد على الجريمة، والمؤسسة تعيد تنظيم نفسها بسرعة كى تؤدى الواجب الذى تفرضه اللحظة.

كنت ألتقى بسيسو أحيانًا، ضمن جموع فى مناسبات ثقافية ووطنية ببيروت، لكننا لم نلتقِ آنذاك لقاءً يسمح بتعارف حقيقي. رأيته من بعيد، وسمعت اسمه يتردد قريبًا مني، وظل حضوره يصلنى عبر ما يؤسسه من مشروعات وما يتركه فى رفاقه من أثر.

وبعد خروجى من بيروت، وانتقالى إلى دمشق، تعرفت إلى عمر سعادة واقتربت منه، وكان عبد الرحمن حاضرًا فى كثير من أحاديثه، يستعيد أفكاره ومواقفه وطريقته فى العمل، حتى شعرت بأننى أعرف بعض جوانب الرجل من خلال صديقه قبل أن أعرفه مباشرة، كان اسمه يعبر أمامى من بيروت إلى دمشق، ويقترب منى خطوة بعد أخرى، فيما ظل اللقاء الحقيقى مؤجلًا.

إلى أن جاء صيف عام 1989. كنت فى مكتبى بالقاهرة، حين دخل عليّ عبد الرحمن بسيسو، بصحبة الشاعر حلمى سالم، أحد أقرب أصدقائه، والذى سبق أن عمل معه فى «بلسم» ببيروت، ثم واصل العمل معه فى قبرص.

بعض اللقاءات الأولى يثقلها الحذر، ويمضى وقت طويل قبل أن تسقط المسافات بين أصحابها، أما لقائى الأول ببسيسو، فلم يكن من هذا النوع، منذ اللحظات الأولى شعرت بأننا لا نتعارف، بل نستكمل حديثًا قديمًا انقطع فى مكان ما، وأن الرجل الذى سمعت عنه طويلًا فى بيروت ودمشق لم يكن غريبًا عن عالمى، إنما صديقًا تأخر موعد لقائه.

كان من أولئك الأشخاص الذين يدخلون القلب من دون استئذان، لا يتصنعون الألفة ولا يقتحمون المسافات، لكن دفئهم الإنسانى يذيب الحواجز من تلقاء نفسه، كان ينصت إليك بكليته، ويأخذ أفكارك مأخذ الجد، ثم يضيف إليها ويفتح داخلها نوافذ لم تكن تراها، ولم يكن ذكاؤه مما يرهق جليسه أو يشعره بأنه فى امتحان، بل كان ذكاءً مضيئًا يحفزك على التفكير ويمنحك الرغبة فى مواصلة الحوار.

لم يحتج بسيسو إلى زيارات تمهيدية طويلة قبل أن يقترح عملًا مشتركًا. ففى ذلك اللقاء عرض إقامة شراكة بين «مؤسسة فرح لصحافة وثقافة الطفل»، التى أسسها فى قبرص، وبين «دار النديم» التى كنت أديرها فى القاهرة. وكانت المؤسسة تستخدم، وفق طبيعة إصداراتها، أسماء أخرى مثل «مؤسسة فرح للنشر والتوزيع» و«مطبوعات فرح»، وقد سبقتها منذ عام 1983 «مؤسسة سنابل للنشر والتوزيع»، التى تواصل من خلالها إصدار مجلة «بلسم» بعد الخروج من بيروت.

كان الانتقال السريع من التعارف إلى اقتراح الشراكة كاشفًا لطبيعته. فالرجل لا يبنى علاقاته على المجاملة، بل على ما يمكن أن تنتجه من أفكار وأعمال، ولم يكن من أصحاب الأفكار التى تتوهج فى الجلسات، ثم تنطفئ عند باب المكتب، إذ أرسل إليّ بعد عودته مجموعة من إصدارات «فرح»: قصصًا للفتيان، إذا جاز التعبير، أنيقة الطباعة، بعضها بالعربية والإنجليزية، وبعضها بالعربية والفرنسية، ومصحوبة برسوم أنجزها فنانون عرب كبار.

الخاتمة

لأن لقاء صيف 1989، لم يكن سوى بداية الطريق، فما زالت فى الذاكرة مشاهد عديدة سنرويها فى الأجزاء الأخرى، من هذه الحلقة الاستثنائية عن شخص استثنائى.