مَن لم يوقظ مَن؟ وأين كانت الخيانة؟ الحقيقة كُشِفت ويجب أن تحسم الانتخابات
نشر بتاريخ: 2026/09/09 (آخر تحديث: 2026/09/09 الساعة: 22:40)

• إن زعيم دولة الإمارات العربية المتحدة، محمد بن زايد، حذّر بنيامين نتنياهو، شخصياً وبصوته، قبل نحو عشرة أيام من "مجزرة" السابع من تشرين الأول/أكتوبر، خلال محادثة استمرت 45 دقيقة، من أن يحيى السنوار يُعدّ في غزة لتحرُّك كبير سيؤدي إلى إراقة الدماء، وسيهزّ المنطقة بأسرها. وفي تلك الأيام نفسها، وصلت إلى مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تحذيرات مماثلة، في جوهرها، من مسؤول استخبارات مصري رفيع المستوى، موجهة إلى نتنياهو.

• إن غرور نتنياهو وغطرسته وثقته بالمفهوم القائل إن "حماس هي رصيد" - وهو المفهوم الذي كان هو الأب المؤسس له - أمور دفعته إلى تجاهُل هذين التحذيرين. والأسوأ من ذلك، أنه أخفى وجود هذين التحذيرَين الحاسمَين عن وزير الدفاع يوآف غالانت ورئيس الأركان هرتسي هليفي ورئيس جهاز الشاباك رونين بار.

• وكَوني تولّيت في الماضي منصب رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، لمدة تراكمية بلغت 15 عاماً، أقول بمسؤولية إن مجرد تجاهُل التحذيرات يشكل، في الحد الأدنى، إهمالاً جسيماً؛ أمّا إخفاء التحذيرَين عن جميع رؤساء المنظومة الأمنية والاستخباراتية، من وزير الدفاع وحتى رئيس الشاباك، فهو فعلاً يدخل في نطاق الإهمال الجنائي. نعم، الإهمال الجنائي بالمعنى السياسي والجماهيري، وكذلك بالمعنى الذي يحدده القانون. وهذا الإهمال الجنائي له، بحسب رأيي، علاقة سببية مباشرة بـ"مجزرة" السابع من أكتوبر، وبالثمن الذي دُفع، وبنتائجها.

• إن الدولة التي تريد البقاء، وتعمل في منطقة صعبة كالشرق الأوسط، مُلزمة تجاه التحرك بحزمٍ لإبعاد قيادة خطِرة كهذه عن سدة الحكم. ونتنياهو نفسه هو الذي سمعناه يسأل: هل كنتم ستسافرون مع سائق حافلة مسؤول عن سلسلة من الحوادث القاتلة، أو تبحرون مع قبطان سفينة تايتانيك لو كان نجا من غرقها؟ واليوم، تتعلق الإجابة به هو.

• منذ السابع من أكتوبر، ووفق نمطٍ من السلوك يعرفه علماء النفس جيداً، والذي عبّر عنه الحكماء بقولهم "يعيب على غيره بما فيه"، نرى نتنياهو يتهم، طوال الوقت، رئيس الأركان ورئيس شعبة الاستخبارات ورئيس الشاباك بأنهم "لم يوقظوه".

• لكن الحقيقة هي أنه وصلت إلى مكتب رئيس الحكومة مواد استخباراتية في الساعة الثالثة فجراً تقريباً، وأن العاملين في مكتبه هم الذين لم يوقظوه، ولم يُطلعوه عليها.

• علاوةً على ذلك، فإن تلميحاته إلى مؤامرة وخيانة، فضلاً عن ادّعائه المتبجح أنهم لم يريدوا إيقاظه، لأنهم كانوا يعرفون أنه لو استيقظ، فسيأمر فوراً برفع الجيش إلى حالة تأهُّب قصوى وسحق "حماس"، منافية للواقع، لأنه حتى عندما أيقظوه في الساعة 6:29، كان سؤاله الأول: "لماذا يطلقون النار؟"

• ذلك "المجنون الجريء" لم يُصدر أيّ أمر عملياتي، واستغرق الأمر أكثر من ثلاث ساعات إضافية (!) قبل أن يتحدث لأول مرة مع رئيس الأركان، وهو وحده يملك إصدار الأوامر التي تحرّك الجيش.

• تخيّلوا لِلحظة أن نتنياهو أطلع غالانت في 1 أكتوبر على التحذيرات الخطِرة التي نقلها أمير أبوظبي والاستخبارات المصرية؛ فمن الواضح أنه كان سيعقد نقاشاً أمنياً واستخباراتياً بشأن التطورات المحتملة، ولكانت اتُّخذت إجراءات للردع، أو المنع، أو إحباط الخطة.

• بل أكثر من ذلك، فحتى من دون عقد أيّ نقاش، إن مجرد معرفة وجود تحذيرات من هذا النوع كانت ستؤدي، على الأرجح، إلى تحليلٍ أكثر تشدداً، في الليلة التي سبقت "المجزرة"، لـ"المؤشرات الدالة" التي فشل رئيس الأركان وكبار مسؤولي الاستخبارات وقيادة المنطقة الجنوبية ورئيس الشاباك في فهمها.

• مَن لم يُطلعهم على الواقع الذي حُذّر منه شخصياً هو نتنياهو نفسه؛ إذاً، قولوا من الآن فصاعداً: لم يكن هرتسي هليفي ورونين بار، اللذان يُقال إنهما "لم يوقظاه" في ساعات فجر السابع من أكتوبر، هما اللذان جلبا "المجزرة"، بل إن نتنياهو، بإهماله، هو الذي لم يوقظهما، ولم يوقظ وزير الدفاع قبل ذلك بأسبوع، في 1 أكتوبر، لمنع، أو إحباط أسوأ "مجزرة" في تاريخنا.

• نتنياهو ينفي الأمر برمته طبعاً، ومن غير المستبعد أن يحصل أيضاً على نفي متلعثم من بن زايد، أو من أحد مساعديه، أو على رفضٍ للتعليق.

• لكنني، كشخص يتابع هذه القضية منذ أشهر طويلة، عبر مراحل كشفها المتعددة، أقول بمسؤولية إن هذه الحقيقة صحيحة بكل تفاصيلها، وهذه التفاصيل معروفة أيضاً بصورة دقيقة لدى جهات استخباراتية في الولايات المتحدة، ولدى عدد محدود جداً من المسؤولين الكبار في أبوظبي، وعدد من الأشخاص في إسرائيل. وهذا هو سبب خوف نتنياهو الشديد من تشكيل لجنة تحقيق رسمية، لأنه يدرك أنها تستطيع إجبار الإسرائيليين على المثول أمامها والإدلاء بشهاداتهم تحت القسم، والحصول على كلّ وثيقة موجودة، بل إصدار أوامر بالتحقيق في تزوير الأدلة، أو إخفائها. ويدرك نتنياهو أن إنكاره سيتلاشى بسرعة، وأن مصيره السياسي سيكون محسوماً من دونه.

• أمّا بشأن الخيانة، فإن المحاولة الخرقاء التي قام بها نتنياهو، بمشاركة أفراد من عائلته المقربين والمتملقين المحيطين به، لاتهام يائير غولان بالخيانة، وزوج شكما برسلر، وهرتسي هليفي، ورونين بار، وكاتب هذه السطور، وعشرات آخرين من كبار المسؤولين، هي أيضاً جزء من متلازمة "مَن يعيب على غيره بما فيه"، وجرت هذه الحملة بروحية التوصية الشهيرة المنسوبة إلى غوبلز: اتّهم خصومك دائماً بالشيء الذي لك ذنب في ارتكابه.

• إذا حدث أمر يمكن وصفه بالخيانة، فإنه جرى داخل مكتب نتنياهو نفسه؛ فالأشخاص الأقرب إليه، داخل "الأكواريوم"، أي قدس أقداس السلطة التنفيذية في إسرائيل، التي يرأسها رئيس الحكومة، عملوا قبل الحرب وأثناءها، في مقابل أجر سخي، لمصلحة دولة خارجية؛ وضمن هذا الإطار، قاموا بإخراج مواد استخباراتية تعرّض حياة أشخاص للخطر، وتسريبها إلى وسائل إعلام أجنبية، من أجل هندسة وعي المواطنين الإسرائيليين بشأن خطوات نتنياهو المتعثرة في أثناء تخلّيه عن الرهائن.

• إن أيّ رئيس حكومة طبيعي، ما إن تُكشَف أمامه حقيقة أن رجاله كانوا يخدمون دولة خارجية في أثناء الحرب، كان سيقيلهم فوراً للاشتباه بالخيانة، ويتأكد من تطبيق القانون عليهم حتى النهاية.

• لكن الاحتضان والدعم غير المحدودَين اللذين يمنحهم إياهما نتنياهو يقودان إلى استنتاج واحد لا مفرّ منه، وهو أنه كان على عِلم بطريقة عملهم، وأنه يدرك أن سقوطهم سيؤدي إلى سقوطه هو؛ إذاً، قولوا من الآن فصاعداً: إذا كان هناك خيانة، فإنها لم تكن خيانة خصوم نتنياهو، بل خيانة رجاله هو، وبعلمه، على الأقل وفق ما تشير إليه الظروف. وبناءً على ذلك، لا يوجد غفران، ولا مسامحة.

• لم يتبقَّ على الانتخابات سوى نحو ستة أسابيع، وهي فعلاً انتخابات مصيرية في تاريخ إسرائيل؛ وإذا كنا نريد البقاء، فعلينا أن نبدأ فوراً بعملية "إصلاح يهودي" كبيرة في جميع منظومات حياتنا.

• الخطوة الأولى هي إعادة الحقيقة والثقة إلى حياتنا، ولن تصلَّح الأمور من دون قرارات صحيحة وعمل؛ أولاً، من جانب الناخبين، ثم من جانب الحكومة التي يجب أن تُؤلَّف بعد الانتخابات.

• لذلك، تذكّروا أيها الناخبون أن مَن لم يُوقظ المنظومة الأمنية والاستخباراتية، بإهمالٍ جسيم وغير مسبوق، هو نتنياهو نفسه. والسؤال هل كان هناك خيانة؟ ربما، وإذا كان هناك خيانة، فإنها حدثت في مكتبه، وبحسب الظروف، بعِلمه. وهذان الأمران يجب ألّا ننساهما.