العالم أمام منعطف تاريخي
نشر بتاريخ: 2026/09/08 (آخر تحديث: 2026/09/08 الساعة: 14:26)

باتت أميركا في «ورطة» ذلك أن رئيسها دونالد ترامب في «ورطة» جوهرها أنه بات عالقا في حرب مع إيران، عجز أولاً عن حسمها خلال فترة وجيرة، كان يتوقع أن لا تزيد على بضعة أسابيع، ثم ها هو يعجز عن الخروج منها ثانيا، وما يؤكد أنه في «ورطة» فعلا وليس قولا عابرا، هو أنه ما زال يواصل إطلاق التصريحات التي يبدو أنه يخاطب فيها نفسه، كما لو كان فاقدا عقله، فبعد تصريحات نارية توالت طوال أشهر الحرب الأولى، وتضمنت تهديدات من مثل محو إيران عن الخريطة، أو إعادتها للعصر الحجري، إلى توقيعه وثيقة التفاهم، التي ظهر فيها كما لو كان يوقع على اتفاقية فرساي، إلى عملية» المنبوذ الاقتصادي»، التي وجد نفسه مضطرا لعدم الاكتفاء بها، بعد أيام من إعلانها، لم يتوقف ترامب عن التهديد تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط بما يقترب من حاجز المئة دولار للبرميل.

ترامب ومعه 50 ألف جندي أميركي وأسطول بحري في مياه الخليج وبحر العرب، باتوا عاجزين عن العودة لما كان عليه الحال قبل الحرب، وفي حالة اللاحرب واللا سلم، وما يؤكد هذا هو ما أعلنه نائبه، جي دي فانس، قبل أيام من أن أميركا ليست في حالة حرب مع إيران، لكنها ليست في حالة سلم أيضا، بدليل التراشق الناري بينهما المتقطع هذه الأيام، وآخره ذلك الفصل الخاص باستهداف ناقلات النفط للطرفين، وحتى لا نواصل سرد ما يؤكد أن أميركا وترامب عالقان في الخليج وبحر العرب، نقول إن ترامب علق لأنه عجز عن حسم الحرب سريعا أو مبكرا، ولأنه غير قادر أيضا على الإعلان عن انتهاء الحرب والانسحاب من المنطقة، لأن ذلك سيعتبر هزيمة واضحة يقر بها، وفي الحالتين، يؤثر ذلك سلبا على حظوظ حزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية التي ستجري بعد شهرين من الآن، وإذا كان هو أقل اهتماما باستطلاعات الرأي التي تمنحه شعبية متدنية بشكل غير مسبوق، لأنه يمضي ولايته الثانية والأخيرة في البيت الأبيض، فإن خسارة حزبه للأغلبية في الكونغرس، إن لم تفتح الباب لعزله من المنصب، فستحيله إلى بطة عرجاء في ما تبقى له من مدة العامين القادمين في البيت الأبيض.

وترامب علق في الورطة، بسبب خضوعه للوبي الصهيوني، المتطابق في سياساته مع بنيامين نتنياهو، وأميركا علقت في الورطة بسبب نظامها الرئاسي الذي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة، ولا يمنح الكونغرس أو القضاء صلاحية كبح نفوذه، إلا بما يشبه التعجيز، حيث ينص الدستور على أغلبية الثلثين لعزل الرئيس، ورغم أن أميركا دولة مؤسسات، إلا أن مؤسساتها، بما فيها الكونغرس والقضاء، خاضعة لتأثير اللوبي الصهيوني، كما هو حال البيت الأبيض وترامب وحزبه الجمهوري، وحتى الحزب الديموقراطي، مع ملاحظة أن الحزب الديموقراطي بات في طريقه للتحرر من سطوة ذلك اللوبي، بالنظر إلى نتائج انتخاباته الداخلية الأخيرة.

وإسرائيل أيضا في ورطة بسبب ما أحدثه فيها نتنياهو خلال ثلاثة عقود من تحول داخلي، معاكس لوجهة العصر الحديث، لذلك فإنه يمكن القول، إن أميركا وإسرائيل، باتتا على مفترق طرق حاسم، يتمثل في محطتي الانتخابات، سواء تلك الخاصة بإسرائيل، أي انتخابات الكنيست السادس والعشرين التي ستجري في 27 تشرين الأول القادم، أو انتخابات الكونغرس النصفية التي ستجري في الثالث من تشرين الثاني القادم، أي أن هناك أسبوعا واحدا فقط يفصل بينهما!

وتوقيت الانتخابات مهم في كلا البلدين، المتحالفين معا فقط، دون كل دول العالم، فإسرائيل باتت بلا علاقات دافئة مع معظم العالم، منذ ثلاث سنوات، بعد أن اقترفت حرب الإبادة، وبعد أن أفصحت عن نواياها في إقامة إسرائيل الكبرى على حساب أراضي نحو سبع دول عربية، وعلى حساب سيادة واستقلال كل دول الشرق الأوسط، وأميركا باتت كذلك بلا أصدقاء أو حلفاء، ولا حتى دول الناتو، ولا السبع الكبار، بعد أن ظهر ترامب مثل دون كيشوت الذي يحارب طواحين الهواء، بإعلانه حرب التجارة العالمية ضد الحلفاء والخصوم، وبعد أن أفصح عن نواياه في السيطرة والسطو، على كل ثروات العالم.

يبدو أن التوقيت اختاره نتنياهو، وذلك بالنظر إلى أن توقيت الانتخابات النصفية الأميركية مثبت دستوريا، ولا أحد له صلاحية تحديده، لكن تحديد موعد انتخابات الكنيست، تحكّم به نتنياهو وحدده، وفق معادلة، أبعد مدى زمني، للبقاء في الحكم، بحيث جعله في موعده الطبيعي، رغم قرار حل الكنيست وتبكير موعد الانتخابات والذي كان في شهر تموز الماضي، لأن ذلك الموعد يخدمه من حيث أنه يقع قبل موعد انتخابات الكونغرس النصفية، وذلك بسبب العلاقة المتبادلة في التأثير بين الحدثين، فإسرائيل كثيرا ما تتأثر بالعوامل الخارجية، خاصة بعد أن تعمق فيها البعد اليميني، ولم يعد اليسار منافسا على الحكم، منذ أكثر من 25 سنة.

فلو جرت انتخابات الكونغرس النصفية، وفاز بها الحزب الديموقراطي، وبجناحه الليبرالي المعارض لسياسات اليمين الاسرائيلي المتطرفة، لأثر ذلك على فرصة نتنياهو واليمين الاسرائيلي، الذي يواجه مشكلة انتخابية أصلا، لكن في كل الأحوال، لم يبقَ الكثير من الوقت، لتتضح معالم الصورة في كل من إسرائيل وأميركا، ورغم أن انتخابات الكنيست لن تكون حاسمة فيما يخص سياسة إسرائيل الخارجية، سواء تلك الخاصة بالحرب الإقليمية، حيث يجمع الإسرائيليون، باستثناء العرب، على خوضها ومواصلتها، لأنهم يعتبرونها «حربا وجودية» أو تلك الخاصة بصنع السلام مع الجانب الفلسطيني، وذلك سواء خسر نتنياهو الانتخابات أو فاز بها.

أما على الصعيد الأميركي، فالأمر مختلف تماما، ذلك أن خسارة الحزب الجمهوري الأغلبية في الكونغرس، لن تفتح الباب واسعا لتغيير هوية ساكن البيت الأبيض بعد عامين، وحسب، بل ستشل من قدرة ترامب ومن توافقه مع اليمين الاسرائيلي، أو حتى مع أي حكومة إسرائيلية قادمة، كل ملفات الشرق الأوسط، وليس في ملف الحرب مع إيران فقط، بل وبدرجة أكبر فيما يخص ملف تهجير ومواصلة إبادة سكان غزة، ومواصلة التطهير العرقي في الضفة الغربية، بل وليس مستبعدا أن تجبر الأغلبية الديموقراطية في الكونغرس ترامب على إعلان وقف الحرب نهائيا، وعلى إجبار إسرائيل على وقف حربها متعددة الجبهات، بل ربما تذهب أبعد من هذا، في الدفع بأميركا إلى العودة للدخول في مسارات الأمم المتحدة وقرارتها والالتزام مجددا بالقانون والمعاهدات الدولية، بعد أن خرج ترامب من كل هذا، بشكل صريح وواضح، منذ عامين فاتا.

لا بد من التأكيد بالمقابل، على أنه إذا كانت كل من إسرائيل وأميركا أمام مفترق سياسي حاسم، وإن بدرجتين مختلفتين وشكلين غير متطابقين بينهما، فإن العالم سواء منه الشرق الأوسط الذي بات مستقبله كما لو كان بوصلة النظام العالمي، ترسم صورة العالم بأسره القادمة، لا بد من التأكيد على أن أفول نجم نتنياهو وترامب، ومعهما أحلام إسرائيل الكبرى، وإعادة تثبيت أركان النظام العالمي الأميركي، أو فرض الإمبريالية الاقتصادية الأميركية على العالم، لا يعني أن الشرق الأوسط سينقلب غدا إلى الصورة المغايرة، أو أن السلام سيحل فورا بين دولتي فلسطين وإسرائيل، ولا أن نظاما عالميا متعدد الأقطاب سيعلن بعد انتخابات الكونغرس النصفية مباشرة، لكن مجرد غياب نتنياهو الذي ظل أربع سنوات تحت سطوة إيتمار بن غفير وبتسئليل سموتريتش، وفرض حالة البطة العرجاء على ترامب كما لو كان مفروضا عليه الإقامة الجبرية في البيت الأبيض، يعني أن العالم بات داخل المنعطف التاريخي فعلا، حيث صارت إسرائيل الكبرى والإمبريالية الاقتصادية الأميركية وراءه، فيما يظهر أمامه شرق أوسط جديد، مغاير لشرق أوسط إسرائيل الجديد، الذي بشر به شمعون بيريس وحلم به نتنياهو.

وإن ملامح عالم متعدد الأقطاب محكوم تماما بالقانون الدولي الإنساني، باتت أمامنا، لكن ولأن المستقبل لا يقع كتفاحة فوق رأس إسحق نيوتن، فلا بد من السعي إلى ذلك العالم متعدد الأقطاب، وصنعه بأيدي من يؤمن به، من أمثال زهران ممداني وعبد الرحمن السيد، وكذلك رشيدة طليب وإلهان عمر، لأن غياب نتنياهو وترامب لا يعني أن إسرائيل قد تخلصت من التطرف ونفي الآخر، ولا حتى من دعاة حرب الإبادة والتطهير العرقي، وقد سبق لإسرائيل أن وقّعت بشكل رسمي على اتفاق أوسلو، وجاء بعد عقود من لم يتوقفوا عن حدود وقف الاتفاق وعدم ترجمته على أرض الواقع وحسب، بل ذهبوا إلى ارتكاب الجرائم بحق الإنسانية، كما أن أميركا لن تجد خلاصها النهائي الذي يبقي لها مكانا في محفل كبار العالم، برحيل ترامب، بل هي ستنتظر عامين آخرين، علينا أن نراقب خلالهما ما سيحدث داخل الحزب الجمهوري بالذات.