الانتخابات الفلسطينية بين جسّ النبض واستحقاق التغيير
نشر بتاريخ: 2026/09/02 (آخر تحديث: 2026/09/02 الساعة: 17:14)

السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن الانتخابات الفلسطينية ليس فقط: متى ستُجرى؟ ومن سيفوز فيها؟ وإنما: ماذا تغير في الفلسطينيين وفلسطين بعد السابع من أكتوبر، وماذا تغير في تفكير القيادة والنظام السياسي الفلسطيني؟ فهذا السؤال أكثر إلحاحاً في ظل واقع جديد فرضته حرب الإبادة المستمرة، وما خلفته من دمار ونزوح وتشرد وفقدان وتحولات عميقة في حياة الفلسطينيين ووعيهم، خصوصاً في قطاع غزة، إلى جانب ما تشهده الضفة الغربية من استيطان وضم وتهجير وإرهاب متصاعد.

المشهد الفلسطيني، رسمياً وشعبياً وفصائلياً، ما زال غير واضح المعالم تجاه مستقبل القضية الفلسطينية، كما أن الدعوة إلى إجراء الانتخابات وتحديد موعدها لا تزال محاطة بالكثير من الضبابية. وليس واضحاً مدى جدية القيادة الفلسطينية وقدرتها على المضي قدماً نحو إتمامها، أم أن الانتخابات تُستخدم في هذه المرحلة كبالون اختبار لجسّ النبض، ومعرفة التحالفات والأوزان المحتملة، أكثر من كونها اختباراً حاسماً لتشخيص حجم التغيير الذي طرأ على المجتمع الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة والضفة الغربية والشتات.

منذ السابع من أكتوبر، وما رافقه من أهوال حرب الإبادة المستمرة، يعيش الفلسطينيون صدمة عميقة تركت آثاراً كبيرة في وعيهم وحياتهم وسلوكهم، ولا سيما في قطاع غزة. ورغم محاولات الاحتلال كيّ الوعي الجمعي للفلسطينيين، فإن هذه المحاولات لم تؤدِ، حتى الآن، إلى تغيير جوهري في سلوكهم السياسي. ومع ذلك، فإن حجم النكبة التي مر بها الفلسطينيون ويمرون بها يفترض أن يدفع إلى تغيير أنماط التفكير ومنهجية العمل السياسي. فالأوضاع الفلسطينية تغيّرت بشكل جوهري، وما كان قائمًا قبل السابع من أكتوبر لا يمكن أن يستمر كما هو بعد كل هذه الأهوال التي عاشها الفلسطينيون وما زالوا يعيشونها.

من جهة أخرى، فإن حرب الإبادة القاسية وانعكاساتها على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة كافة، إلى جانب سياسات دولة الاحتلال في الضم والاستيطان والتهجير والتطهير العرقي والقتل والاعتقالات والملاحقات، كان يفترض أن تدفع القيادة الفلسطينية ومختلف مركبات العمل الوطني إلى إجراء تغييرات عميقة في طريقة التفكير والسلوك والسياسات.

لكن ما نراه حتى الآن لا يعكس مراجعة سياسية وفكرية عميقة بحجم ما حدث. وكأن النكبة الثانية التي يعيشها الفلسطينيون لم تدفع النظام السياسي ومركباته إلى التوقف أمام الذات وإجراء مراجعات جدية. والمطلوب هنا ليس القطع مع الماضي، وإنما النظر بوضوح إلى السؤالين: أين كنا؟ وأين أصبحنا؟

وهذه المراجعة لا ينبغي أن تقتصر على القيادة الفلسطينية أو السلطة ومؤسساتها، وإنما يجب أن تشمل جميع القوى والفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس. فكما أن من حق الفلسطينيين أن يطالبوا القيادة بالمساءلة عن مسارها السياسي وأدائها، فمن حقهم أيضاً أن يطالبوا حماس بمراجعة تجربتها، وما سبق السابع من أكتوبر وما ترتب عليه، وأن تطرح على نفسها وعلى الفلسطينيين أسئلة صعبة بشأن قراراتها وتقديراتها وأدائها، ومسؤوليتها السياسية تجاه ما جرى وما آلت إليه الأوضاع. والمراجعة هنا لا تعني محاكمة الماضي فقط، ولا تعني التنصل من المسؤولية أو إلقاء اللوم على طرف واحد، وإنما تعني استخلاص الدروس، ومصارحة الفلسطينيين، والانتقال من إدارة الأزمة إلى التفكير في كيفية الخروج منها. فلا يمكن بناء شراكة وطنية حقيقية من دون مساءلة متبادلة، ولا يمكن إعادة بناء المشروع الوطني إذا بقيت كل قوة سياسية تنظر إلى تجربتها باعتبارها صحيحة، وتحمل الآخرين وحدهم مسؤولية ما وصلنا إليه.

فمن دون إخضاع التجربة الفلسطينية السابقة للدراسة والنقد والمراجعة، يبدو أن التفكير النقدي والرؤية الهادئة والرصينة للواقع قد تعطلا، في الوقت الذي يتغير فيه هذا الواقع بسرعة هائلة. لقد تغيرت حياة الفلسطينيين بصورة عميقة بفعل النزوح والتشرد والفقدان وتدمير الممتلكات والمنازل، وفقدان الشعور بالأمان، والحصار الخانق، وشح الغذاء والمياه والدواء، وتدمير مقومات الحياة نفسها.

وبعد كل ذلك، هل يجوز التعامل مع الواقع بالسذاجة السياسية نفسها أو بغياب الرؤية؟ وهل يمكن أن يستمر النظام السياسي ومركباته في التفكير كما لو أن ما قبل السابع من أكتوبر ما زال قائماً؟ إن العقل والمنطق يقولان إن الدرس الذي يفرضه الواقع الفلسطيني الجديد يجب أن يقود إلى قدر أكبر من الواقعية في قراءة المعطيات والمؤشرات، وإلى إعادة الاعتبار للمشروع الوطني، خصوصاً في ظل غياب الثقة بالنظام السياسي ومؤسساته، وفي مقدمتها الرئاسة.

لا خلاف على أن إجراء الانتخابات حق وطني وقانوني ودستوري، لكن لا يوجد فلسطيني واحد يستطيع أن يتنبأ بما يفكر به الرئيس أو أن يعرف على وجه اليقين ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى فعلًا أم ستُؤجل. والأهم من ذلك أنه لا يوجد حتى الآن نقاش وطني حقيقي حول الأولويات والأسئلة الأساسية التي تسبق الانتخابات، وفي مقدمتها: ما هو المشروع الوطني الفلسطيني؟ وهل ما زال الفلسطينيون يمتلكون حركة تحرر وطني؟ وأي سلطة نريد؟ وأي انتخابات ستُجرى؟

هل نتحدث عن انتخابات للمجلس التشريعي فقط؟ وإذا كان الأمر كذلك، فماذا عن الانتخابات الرئاسية، وماذا عن المجلس الوطني الفلسطيني الذي يفترض أن يمثل نحو 14 مليون فلسطيني، وليس فقط الفلسطينيين في أراضي السلطة الفلسطينية؟ وهل يعقل أن ينتخب الفلسطينيون مجلساً تشريعياً لسلطة حكم ذاتي، في الوقت الذي تعمل فيه دولة الاحتلال على تفكيك هذه السلطة وتقويض مقومات وجودها؟

إن الانتخابات المقبلة تقف بين اليقين وعدم اليقين، وبين حق مشروع في المشاركة السياسية وبين خطر الاندفاع نحو الهاوية، إذا لم تسبقها شروط سياسية ووطنية واضحة للخروج من الأزمات المستديمة، والانقسام، وغياب الرؤية الوطنية، وغياب الشراكة السياسية.

المشكلة أن الخطاب حول الانتخابات بات مشبعاً، في جانب منه، بوهم أنها يمكن أن تكون الخلاص من كل النكبات التي حلت بالفلسطينيين على امتداد تاريخهم، منذ وعد بلفور وما سبقه وما تلاه. وكأن مجرد إجراء الانتخابات قادر على فتح الطريق نحو الخلاص، من دون الاستعداد لمواجهة الأسئلة الأصعب، والبحث عن البدائل الواقعية التي يحتاجها الفلسطينيون في هذه المرحلة.

الانتخابات ليست عصا سحرية، ولا يمكن أن تكون بديلاً عن مشروع وطني، أو عن إصلاح النظام السياسي، أو عن إنهاء الانقسام، أو عن بناء شراكة فلسطينية حقيقية. وهي لا تستطيع وحدها أن تحدد مستقبل الفلسطينيين ومصير قضيتهم.

بل إن إجراء انتخابات من دون معالجة هذه الأسئلة قد يعيد إنتاج الأزمة بدل حلها، ويمنح الفلسطينيين شعوراً زائفاً بأن تغييراً حقيقياً قد حدث، بينما تبقى البنية السياسية نفسها، والأزمات نفسها، والاحتلال وسياساته مستمرة.

لذلك، فإن الخطر لا يكمن في الانتخابات ذاتها، وإنما في تحويلها إلى غاية بدل أن تكون وسيلة، أو إلى عنوان للخلاص بدل أن تكون جزءاً من عملية سياسية ووطنية شاملة. وإذا لم نحسن التفكير والتقدير، ولم نناقش الاحتمالات الأكثر سوداوية، فقد نجد أنفسنا أمام هزيمة سياسية جديدة، لا تقل قسوة عن الهزائم التي ندفع ثمنها يوميًا.

لقد بات من الضروري التحذير من بث آمال لا تستند إلى قدرة حقيقية على إحداث تغيير، لأن رفع سقف التوقعات من دون توفير شروط التغيير قد يؤدي إلى شرخ فلسطيني غير مسبوق، وإلى مزيد من الإحباط وفقدان الثقة، بينما يواصل الاحتلال إعادة تشكيل الواقع على الأرض وفق مصالحه وسياساته.

لكن الانتخابات، رغم كل ما يحيط بها من شكوك ومخاطر، يمكن أن تتحول إلى فرصة حقيقية إذا أحسن الفلسطينيون التعامل معها، وإذا قدّم العالم العربي يد المساعدة والدعم للفلسطينيين، وساهم في توفير الظروف السياسية والاقتصادية اللازمة لإنجاحها، وربطها بمسار أوسع لإعادة بناء النظام السياسي والمشروع الوطني، لا أن تبقى مجرد استحقاق انتخابي معزولاً عن واقع القضية الفلسطينية وأزماتها.

الانتخابات حق، لكنها ليست مستقبلنا. ومستقبل الفلسطينيين لا يُحسم بصندوق الاقتراع وحده، وإنما بقدرتهم على إعادة بناء مشروعهم الوطني ونظامهم السياسي وشراكتهم الوطنية، في ضوء واقع فلسطيني جديد لا يشبه ما كان قائماً قبل السابع من أكتوبر. وفي هذا السياق، يمكن أن تكون الانتخابات جزءاً من عملية التغيير؛ أما إذا جرى التعامل معها باعتبارها غاية في حد ذاتها، فقد تتحول إلى ورطة سياسية جديدة، وتعيد إنتاج الأزمة بدل الخروج منها.