الحرب خيار نتنياهو الوحيد لإنقاذ نفسه
نشر بتاريخ: 2026/08/31 (آخر تحديث: 2026/08/31 الساعة: 14:20)

مثلما فشلت الولايات المتحدة وإسرائيل في استخدام قدراتهما العسكرية الهائلة في حسم أي معركة، أو تحقيق أي هدف من الأهداف التي أعلنها الطرفان، فشلت ما جاءت من اتفاقات سعت إليها الإدارة الأميركية في سياق تكتيكاتها لإغلاق بعض الجبهات، والتركيز على أهمها وهي جبهة الخليج وإيران أي النفط والغاز والموارد الطبيعية.

الاتفاق الذي تم بين الولايات المتحدة والحوثيين في اليمن فشل؛ حيث عاد اليمنيون للتحكم في حركة المرور عبر باب المندب، وفشل أيضاً الاتفاق الذي تم مع إيران، وواصلت الولايات المتحدة حربها واستخدمت الحصار الاقتصادي بديلاً عن الوسائل الحربية، وبعدها حصار المضيق. وفشلت خطة ترامب ذات العشرين نقطة، وخارطة الطريق التي شكلت محاولة لإنقاذ خطة ترامب، ووضعها على سكة التنفيذ.

وأيضاً فشلت خطة الإطار التي وقّعتها الحكومة اللبنانية مع إسرائيل والولايات المتحدة. في البحث عن الأسباب، ستجد إسرائيل دائماً خلف فشل معظم، إن لم يكن، كل تلك المحاولات، لصالح رؤية لدى نتنياهو تقوم على مواصلة الحروب، وتوريط الولايات المتحدة إلى جانبها.

المشكلة الأساسية هنا هي في وجود ترامب ونتنياهو اللذين يتمتعان بمواصفات تكاد تكون متطابقة من حيث تضخم الأنا وإدارة السياسات انطلاقاً من أمزجة شخصية وحسابات خاصة. كلاهما أعلنا أنهما مكلفان من الربّ، ولاعتبارات سياسية، بإنجاز مهمات وأهداف إستراتيجية تتعلق بوجود إسرائيل وتعظيم القوة الأميركية.

الرئيس ترامب وضع اسمه على رأس قائمة الرؤساء الأميركيين منذ الاستقلال، ليتربع على عرش الرئيس الأعظم في تاريخ الولايات المتحدة، ولا يتوقف عند وضع اسمه على الكثير من المعالم وينسب لأميركا جزراً وخلجاناً بما في ذلك مضيق هرمز الذي قرر أنه أرض أميركية.

الأمر مختلف بالنسبة لنتنياهو، فهو لا يملك الحيز الذي يتحرك فيه ترامب، لكنه يقود السفينة الإسرائيلية في مغامرة شديدة الخطورة، مدعياً أن ما يقوم به إنما يستهدف الدفاع عن وجود إسرائيل أمام تهديدات المحيط، وأن حروبه التوسعية تستهدف ترجمة الادعاءات التوراتية.

في ظل هذه الادعاءات، وفي ضوء الفشل الذريع الذي لا يعترف به نتنياهو، رغم الاعترافات التي تصدر عن عديد الخبراء الإسرائيليين، لم يعد يملك ما يدافع فيه عن أن الأمر كله مرتبط بشخصه ومستقبله السياسي. ومثلما أن التجربة العملية المتكررة أثبتت أن المتغطي بالأميركان يموت من البرد والجوع، وأن السياسة الأميركية في زمن ترامب لا تحترم اتفاقاً ولا حليفاً، وأنها يمكنها بسهولة التخلي عن أي طرف، حتى لو كان إسرائيل، فإن نتنياهو هو الآخر، لا يحترم أي اتفاق أو التزام، ولا يقيم وزناً لأي طرف إن كان حليفاً أو محايداً. بما في ذلك الولايات المتحدة، وبالطبع الحلفاء التاريخيون لإسرائيل حين يعتقد أن المصالح التي يفكر بحمايتها تستلزم ذلك.

المنطق التي يقود نتنياهو قبل الانتخابات هو «إما أنا، أو لا أحد»، أقل من شهرين تفصل الإسرائيليين عن الانتخابات العامة، التي تشير استطلاعات الرأي، التي تكاد تكون يومية، إلى أن الليكود وائتلافه لن يتمكنوا من تحقيق الفوز، وأن نتنياهو سيخسر أمام غادي آيزنكوت، الذي تتقدم كتلته الانتخابية على الليكود. نتنياهو الذي يرتهن مصيره ومصير عائلته، وأيضاً مصير حزبه بالانتخابات، لا يمكن أن يسلّم بالأمر، وبما ينتظره في حال الفشل من محاكمات إسرائيلية ودولية، واعتباره القائد الذي وضع إسرائيل والمشروع الصهيوني على حافة مأزق وجودي.

يشتغل نتنياهو على خطَّين، الأول داخلي حيث يحاول الضغط على بن غفير وسموتريتش للتوحد ودخول الانتخابات في كتلة واحدة، خوفاً من تشتيت أصوات اليمين، على اعتبار أن حزب سموتريتش قد لا يتجاوز نسبة الحسم، بالإضافة إلى ما يقوم به من حملات داخلية لتعزيز وحدة اليمين بشكل عام، وإطلاق حملات دعاية قد تساعد في تحسين فرصه.

على الخط الآخر، والأكثر أهمية بسبب الخوف من فشل الخط الداخلي، يتجه نتنياهو إلى إشعال الحرب وتصعيد الصراع والسعي لحسم بعض الجبهات، فإن فشل، وهو سيفشل بالتأكيد بعد ما يقرب من ثلاث سنوات على «طوفان الأقصى»، فإن ذلك سيمنحه الفرصة لتأجيل الانتخابات، كما حدث عند تأجيل الانتخابات بسبب الحرب عملياً خلال حرب أكتوبر ١٩٧٣. وبالتالي من المرجح أن يفعل ذلك مجدداً نتنياهو ويعلن حالة الطوارئ.

الخيارات مفتوحة أمام نتنياهو دون الاصطدام بالخيارات الأميركية التي تعتمد سياسة الخنق الاقتصادي إزاء إيران والخليج، ولا تمنحه الفرصة للدخول على الخط نحو العودة للعمل العسكري.

في هذه الحالة قد يراهن نتنياهو على أن إيران تختنق جراء الحصار الاقتصادي الأميركي، ما سيضطرها للمبادرة نحو التصعيد، وحينها سيجد فرصته الذهبية لإعادة الولايات المتحدة نحو الانخراط في العمل العسكري. بين الجبهات المرشحة، سنلاحظ التهديدات الإسرائيلية لقطاع غزة، على خلفية ذريعة مفضوحة، تتعلق بالطائرات الورقية التي يطلقها أطفال قطاع غزة، ولا تنطوي على أي رسالة أو دلالة حربية.

نتنياهو يتهم حركة «حماس»، ويلصق بهذه الطائرات التي لا يمكنها أن تحمل أي كمية من المتفجرات، أو حتى الكاميرات، تهمة محاولات لـ»حماس» لتهريب مسيّرات عبر الحدود مع مصر، يهدد الإسرائيليون باجتياح بري للقطاع، مع مطالبة الفلسطينيين بإخلاء بعض المناطق، خصوصاً في ظل صمت ما يسمّى مجلس السلام.

الضفة جبهة مرشحة في ظل الادعاءات الإسرائيلية إزاء الخطر الذي يمكن أن تمثله الأجهزة الأمنية الفلسطينية من حيث العدد والتسليح والتدريب، إسرائيل استبقت هذه التهديدات بوقف التنسيق الأمني مع السلطة في الضفة، والأجهزة الأمنية الإسرائيلية لا تزال تحذر من احتمالات انفجار الوضع في الضفة، والجبهة اللبنانية مرشحة هي الأخرى، بسبب فشل الخطة الأميركية، واتفاق الإطار، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية والعجز عن احتواء «حزب الله»، إذاً هي الحرب قادمة في غضون أسابيع.