فلسطين أولاً: لماذا يدخل الإصلاحي الانتخابات؟
نشر بتاريخ: 2026/08/22 (آخر تحديث: 2026/08/22 الساعة: 16:57)

من مقاعد التشريعي إلى إعادة تعريف معنى السلطة

حين يعلن التيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح مشاركته في الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة، فإن اختزال خطوته في البحث عن عدد من المقاعد أو محاولة استعادة موقع داخل النظام السياسي سيكون قراءة سطحية لرهان أوسع بكثير. فالمسألة، في جوهرها، ليست من يدخل المجلس التشريعي ومن يخرج منه، ولا أي فصيل يستطيع أن يحصد العدد الأكبر من المقاعد، بل أي نظام سياسي فلسطيني نريد بعد سنوات طويلة من الانقسام والشلل المؤسساتي واستنزاف الشرعية.

فالتيار لا يطمح إلى دور سياسي إضافي داخل النظام القائم بقدر ما يطمح إلى تغيير قواعد هذا النظام نفسه، وإعادة السياسة الفلسطينية إلى أصلها: مؤسسات تستمد شرعيتها من الشعب، وقيادة تخضع للمساءلة، وانتخابات لا تكون مناسبة لتجديد الوجوه، بل آلية لإعادة إنتاج الشرعية الوطنية. ولهذا تصبح الانتخابات وسيلة لا غاية، وصندوق الاقتراع بداية لمسار لا نهايته.

فالرهان الحقيقي ليس منافسة بين فتح وحماس، ولا بين هذا التيار وذاك، وإنما فرصة لإعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية على قاعدة أن الشعب هو مصدر الشرعية، وأن فلسطين أكبر من الفصائل، وأن أي تنظيم سياسي، مهما كان تاريخه ونضاله، لا يستطيع أن يحوّل حضوره التنظيمي إلى حق دائم في احتكار القرار الوطني.

غزة ليست غنيمة سياسية

ومن أكثر القضايا التي تحتاج إلى إعادة تعريف أن المشاركة في الانتخابات لا تعني السعي إلى إدارة غزة أو اقتسام النفوذ عليها. فغزة ليست جائزة سياسية تنتظر من يفوز بها، ولا عبئاً إدارياً يمكن إلقاؤه على طرف، بل جزء أصيل من الجغرافيا والسياسة والمصير الفلسطيني.

المطلوب ليس إدارة غزة باعتبارها كياناً منفصلاً، وإنما إعادة إعمارها وإعادة وصلها بالضفة الغربية سياسياً وجغرافياً واقتصادياً ومؤسساتياً. وهذا يعني أن معركة ما بعد الحرب يجب ألا تنتهي بإعادة بناء الحجر فقط، بل بإعادة بناء وحدة الجغرافيا الفلسطينية نفسها، بحيث لا تتحول غزة إلى منطقة نفوذ منفصلة، ولا الضفة إلى مركز قرار مغلق، بل يصبح كلاهما جزءاً من دولة فلسطينية واحدة.

ومن هنا، فإن الحديث عن غزة لا ينبغي أن يكون حديثاً عن «من يحكمها»، بل عن كيف تعود إلى موقعها الطبيعي داخل المشروع الوطني الفلسطيني، وكيف تتحول إعادة إعمارها إلى مدخل لإعادة توحيد النظام السياسي لا إلى تكريس الانقسام بصيغة جديدة.

لا سلطة جديدة... بل دولة جديدة

الفارق بين من يريد السلطة ومن يريد الدولة هو الفارق بين مشروع سياسي يبحث عن أدوات السيطرة، ومشروع وطني يبحث عن أدوات البناء. فالتيار الإصلاحي، وفق هذا المنظور، لا يطرح نفسه باعتباره بديلاً لشخص أو فصيل في إدارة السلطة، وإنما كجزء من محاولة أوسع لإعادة تعريف وظيفة السلطة نفسها.

الدولة التي يحتاج إليها الفلسطينيون ليست دولة شعارات ووزارات وموازنات، بل دولة مؤسسات حديثة تعمل وفق القانون، وتخضع للمساءلة، وتدار بالشفافية والكفاءة، وتفصل بين المال العام والمصالح الخاصة، وبين الوظيفة العامة والولاء السياسي. دولة لا تكون فيها المؤسسة امتداداً للحزب، ولا الوظيفة مكافأة للولاء، ولا القانون أداة لمعاقبة الخصوم وحماية المقربين.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست على من يجلس في مكتب الرئيس أو من يملك العدد الأكبر من المقاعد، وإنما على إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة والسلطة.

الشراكة الوطنية بدل الاستفراد

في هذا السياق، تصبح فكرة الشراكة الوطنية أكثر من مجرد صيغة انتخابية. فالتيار الإصلاحي يطرح نفسه ضمن رؤية تقوم على تجاوز حالة الاستفراد بالقرار الوطني، والانفتاح على مختلف القوى والمكونات الفلسطينية، لأن الانقسام لم يعد يحتمل إدارة جديدة بعقلية المنتصر والمهزوم.

الشراكة هنا ليست تقاسماً للغنائم بين الفصائل، ولا «محاصصة» فلسطينية جديدة، وإنما اعتراف بأن فلسطين أكبر من أي تنظيم، وأن النظام السياسي الذي لا يتسع للجميع سينتهي عاجلاً أم آجلاً إلى إنتاج الانقسام نفسه بأسماء جديدة.

فلا فتح تستطيع اختزال فلسطين، ولا حماس تستطيع اختزالها، ولا أي تيار آخر يستطيع أن يدعي امتلاك الحقيقة الوطنية كاملة. فلسطين أكبر من الجميع، ولذلك فإن المطلوب ليس أن ينتصر فصيل على آخر، بل أن تنتصر الفكرة الوطنية على منطق الاستفراد والإقصاء.

من «أنا موجود» إلى «ماذا فعلت؟»

الاختبار الأهم لأي تيار سياسي ليس قدرته على إصدار البيانات، ولا حجم الضجيج الذي يرافق حضوره الإعلامي، وإنما ما الذي فعله عندما كان الناس في أمسّ الحاجة إليه.

وهنا يريد التيار الإصلاحي أن يقدم تجربته الاجتماعية والميدانية باعتبارها جزءاً من شرعيته السياسية؛ فقد عمل على الأرض وفي المجال الإغاثي والاجتماعي، وحاول أن يحافظ على حضوره بين الناس في واحدة من أصعب المراحل التي عاشها الفلسطينيون في غزة.

وهذا يفسر أحد التحولات المهمة في خطاب التيار: لم يعد السؤال «كيف نثبت أننا موجودون؟»، بل «كيف نثبت أننا مفيدون؟». فالسياسة التي لا تنزل إلى حياة الناس تتحول إلى طبقة من الكلام فوق واقع مثقل بالفقر والحصار والدمار والانقسام.

لم يطلب من الناس أن يأتوا إليه... بل ذهب إليهم

ربما تكمن إحدى أهم دلالات تجربة التيار في أنه لم يحاول بناء حضوره السياسي فقط من خلال المؤسسات الرسمية، وإنما من خلال المجتمع نفسه. ولذلك تشكل جزء من حضوره من علاقته المباشرة بشرائح اجتماعية وفتحاوية ووطنية مختلفة، ومن العمل الميداني الذي جعل حضوره مرتبطاً بما يقدمه للناس لا بما يقوله عن نفسه.

وهذه نقطة مهمة في فهم المشاركة المقبلة: التيار لا يدخل الانتخابات ليقول «أنا موجود»، بل يدخلها ليختبر ما إذا كان ما بناه على الأرض يمكن أن يتحول إلى تفويض شعبي.

وهو فارق جوهري؛ لأن السياسة الديمقراطية لا تمنح الشرعية لمن يطالب بها، وإنما لمن يحصل عليها من الناس.

دحلان... من معركة الموقع إلى معركة الفكرة

أما محمد دحلان، فلا يمكن فصل حضوره عن هذا المسار. فقد خاض معارك سياسية وتنظيمية قاسية داخل فتح وخارجها، وانتهى إلى قيادة تيار إصلاحي أعلن أن هدفه ليس مجرد إنشاء كيان سياسي جديد، وإنما إعادة الاعتبار إلى الحياة الديمقراطية والمؤسساتية داخل الحركة وفي النظام السياسي الفلسطيني.

لكن الأهم من شخص دحلان هو ما يمكن أن تمثله تجربته سياسياً: رفض أن تكون السلطة، أي سلطة، أكبر من فلسطين وشعبها.

وهذه الفكرة ينبغي ألا تُفهم باعتبارها دفاعاً عن شخص، وإنما كقاعدة سياسية وطنية: السلطة الفلسطينية ليست القضية الفلسطينية، والرئاسة ليست الوطن، والمنظمة ليست ملكاً لأحد، وفتح ليست إرثاً شخصياً، وغزة ليست ملكاً لحماس، كما أن أي تيار إصلاحي لا يملك فلسطين وحده.

من هذه الزاوية، تصبح تجربة دحلان جزءاً من سؤال أوسع: هل تستطيع الحركة الوطنية الفلسطينية أن تنتقل من ثقافة الأشخاص إلى ثقافة المؤسسات، ومن شرعية التاريخ إلى شرعية الانتخابات، ومن الولاء للفصيل إلى الولاء لفلسطين؟

حين تسقط العصبية الفصائلية تصبح فلسطين هي العنوان

أكثر ما يمكن أن يميز هذا المشروع، إذا نجح في تطوير نفسه سياسياً، هو الانتقال من العصبية الفصائلية إلى الوطنية الجامعة. فالتيار الإصلاحي، في جوهر خطابه، يحاول تقديم نفسه باعتباره تياراً فتحاوياً من حيث الجذور، لكنه لا يريد أن يتوقف عند حدود فتح، بل يذهب إلى فضاء أوسع عنوانه فلسطين.

وهذا هو الاختبار الحقيقي أمامه أيضاً. فالتخلي عن العصبية الفصائلية لا يكون بالشعارات، وإنما بالقدرة على قبول الشراكة عندما تكون مكلفة، واحترام الخصم عندما تكون المنافسة محتدمة، وقبول نتائج الانتخابات عندما لا تأتي كما يشتهي أحد، وعدم تحويل التحالفات إلى مجرد ترتيبات انتخابية مؤقتة.

إذا كان التيار يريد فعلاً أن ينتقل من «تيار داخل فتح» إلى قوة وطنية عابرة للفصائل، فعليه أن يجعل فلسطين معيار التحالف والاختلاف، لا الموقع التنظيمي ولا الحسابات الشخصية.

الرهان الحقيقي: تغيير قواعد اللعبة

لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح قبل الانتخابات التشريعية المقبلة ليس: كم مقعداً سيحصل عليه تيار الإصلاح الديمقراطي؟ بل: ماذا سيفعل إذا حصل على مقاعد؟ وماذا سيفعل إذا لم يحصل على ما يريد؟

إذا كانت المشاركة مجرد محاولة لاستعادة موقع سياسي، فإنها ستصبح حلقة جديدة في مسلسل الصراع على السلطة. أما إذا كانت مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي، وإعادة توحيد غزة والضفة، وإطلاق إعادة إعمار غزة ضمن رؤية وطنية، وإصلاح المؤسسات، وتكريس الشفافية والمساءلة، وإنهاء منطق الإقصاء، وفتح الطريق أمام شراكة وطنية حقيقية، فإن الانتخابات يمكن أن تتحول من استحقاق انتخابي إلى لحظة تأسيس فلسطينية جديدة.

وهنا تحديداً تكمن قيمة المشاركة التي يريدها التيار: ليس أن يقول «نحن هنا»، وإنما أن يقول إن «فلسطين يجب أن تكون هنا أولاً».

فبعد كل ما جرى، لم يعد الفلسطيني بحاجة إلى سلطة تنتصر على خصومها بقدر حاجته إلى دولة تنتصر له؛ ولم يعد بحاجة إلى فصيل يثبت أنه الأقوى، بل إلى نظام سياسي يثبت أنه الأعدل؛ ولم يعد بحاجة إلى من يملك فلسطين بالوكالة، بل إلى وطن لا يملكه أحد.

هذه هي المعركة التي ينبغي أن تدخلها صناديق الاقتراع: ليس من يحكم فلسطين، بل كيف تُحكم فلسطين، ولمن تكون السلطة، ومن يراقبها، وكيف تُستعاد الدولة من قبضة الفصائل إلى حضن الوطن.