البطانة.. حين يصبح القائد أسيرًا لصدى صوته
نشر بتاريخ: 2026/08/21 (آخر تحديث: 2026/08/21 الساعة: 20:58)

البطانة الفاسدة ليست مجرد مجموعة من الأشخاص السيئين المحيطين بصاحب القرار.. إنها في كثير من الأحيان واحدة من أخطر الأدوات التي يمكن أن تهدم الدول والمجتمعات من الداخل.

فالإنسان حين يصل إلى موقع سيادي.. وتصبح بين يديه سلطة القرار والنفوذ والقدرة على التأثير في حياة الآخرين.. لا يبقى نفسيًا كما كان قبل السلطة.

والدراسات النفسية حول تأثير السلطة تشير إلى أن الشعور بالقوة يرتبط بزيادة الثقة بالنفس والجرأة والإقدام.. وأحيانًا بزيادة الثقة المفرطة بالقرار.. وتقليل الميل إلى الأخذ بآراء الآخرين.

وهنا تبدأ أهمية البطانة.

فالإنسان مهما بلغ من الذكاء والخبرة.. يبقى إنسانًا.. قد يخطئ في التقدير.. وقد تغلبه ثقته بنفسه.. وقد لا يرى الصورة كاملة وهو يقف في مركزها.

لذلك يحتاج صاحب القرار إلى أشخاص لا يخافون من قول الحقيقة له.

لكن مشكلتنا في كثير من مجتمعاتنا أننا ورثنا ثقافة تختصر وظيفة المحيطين بالقيادة في جملة شعبية بليغة الدلالة:

«اربط الحمار مطرح ما بدو صاحبه»..

لا تناقش كثيرًا.. لا تجادل.. قل حاضر.. نعم.. تمام.. وحرّك رأسك بالموافقة مهما كان القرار صحيحًا أو خاطئًا.

وهكذا تتحول البطانة من عقلٍ إضافي للقائد.. إلى مجرد صدى لصوته.

يقول فكرة.. فيؤيدونه.

يطرح قرارًا.. فيصفقون له.

يخطئ.. فيبحثون عن مبررات خطئه.

ومع الوقت.. لا يعود صاحب القرار يسمع الحقيقة.. بل يسمع النسخة التي يريد سماعها منها.

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكّره، وإن ذكر لم يُعنه».

المشكلة إذن ليست في أن يكون حول القائد أشخاص يختلفون معه..

المشكلة أن يصبح حوله أشخاص يوافقونه دائمًا.

فالقيادة التي لا تسمع «لا».. لا تملك فرصة حقيقية لتصحيح «نعم» الخاطئة.

وأخطر رجل حول القائد ليس من يعارضه..

بل من يعرف أنه مخطئ.. ويصفق له.

فحين تصمت البطانة عن الحقيقة.. لا يعود الخطأ خطأ قائدٍ واحد..

بل يصبح قرارًا تدفع الأمة كلها ثمنه.