ثلاثة انتخابات وحرب واحدة.. كيف أصبحت غزة رهينة الحسابات السياسية؟
نشر بتاريخ: 2026/08/20 (آخر تحديث: 2026/08/20 الساعة: 16:30)

تبدو المرحلة الراهنة واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في المشهد الفلسطيني والإسرائيلي والأمريكي، حيث تتداخل ثلاثة مسارات انتخابية وسياسية في وقت واحد، لكل طرف فيها حساباته الدقيقة ومصالحه المرتبطة بمستقبله السياسي وموقعه في دوائر صنع القرار.

فالانتخابات الإسرائيلية لها حساباتها الواضحة، وفي مقدمتها الأمن والدماء الفلسطينية والحرب، وهي ملفات لطالما استخدمتها الحكومات الإسرائيلية في مخاطبة جمهورها ورفع أسهمها الانتخابية. ويحتاج بنيامين نتنياهو إلى الظهور بمظهر رجل الأمن والحسم، القادر على مواجهة الفلسطينيين وفرض شروطه، ولذلك فإن أي تراجع أو تنازل في ملف غزة قد يُفسَّر داخل الساحة الإسرائيلية على أنه ضعف سياسي.

وفي المقابل، يعيش الفلسطينيون مرحلة شديدة التعقيد على المستوى الداخلي. فالبرامج السياسية التي قامت على التسوية والمفاوضات لم تعد قادرة على تقديم إنجاز حقيقي للشارع الفلسطيني، بعد سنوات طويلة من المفاوضات دون الوصول إلى دولة فلسطينية أو إنهاء الاحتلال. وفي الوقت ذاته، فإن مشروع المقاومة والتحرير والسلاح دخل مواجهة كبرى قبل أن تنضج، من وجهة نظري، كل عناصره السياسية والإقليمية والتحالفات اللازمة لحماية نتائجه، وكانت أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من حرب مدمرة نقطة تحول كبيرة دفعت الشعب الفلسطيني إلى أثمان باهظة، وفتحت في الوقت نفسه سؤالًا صعبًا حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني وشكل المقاومة والسلاح والقرار السياسي.

أما الولايات المتحدة، فتدخل هي الأخرى هذه المرحلة بحسابات انتخابية وسياسية دقيقة. فالرئيس دونالد ترامب يسعى إلى استعادة صورته باعتباره رجل السلام القادر على إنهاء الحروب وإعادة الاستقرار، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية وسعي حزبه إلى تعزيز حضوره في الكونغرس. لكن المفارقة أن الإدارة الأمريكية، بينما رفعت شعار السلام، وجدت نفسها أمام منطقة أكثر اضطرابًا وصراعات متعددة لم تكن بهذا الاتساع من قبل.

ومن هنا يمكن فهم جانب من أسباب التعثر في الوصول إلى تسوية تنهي الحرب على غزة. فكل طرف لا ينظر إلى الحرب باعتبارها مجرد ملف سياسي أو أمني، وإنما باعتبارها جزءًا من معركة الحفاظ على موقعه السياسي.

ترامب يريد إنهاء حرب غزة بما يسمح له بالقول إنه نجح في إعادة الاستقرار وإنهاء واحدة من أكثر الحروب تعقيدًا في المنطقة، وبالتالي الحفاظ على صورته كراعي للسلام. وفي المقابل، يريد نتنياهو أن ينهي الحرب، إن انتهت، من موقع المنتصر الذي فرض شروطه، لا من موقع السياسي الذي اضطر إلى تقديم تنازلات.

وفي هذا السياق، فإن حديث ترامب عن عزمه دعم مرشح في الانتخابات الإسرائيلية يحمل دلالات سياسية مهمة، وقد يُفهم منه، في سياق الحسابات القائمة، أنه يريد الحفاظ على علاقة قوية مع نتنياهو أو مع التيار السياسي الذي يستطيع أن يشكل رافعة له داخل الولايات المتحدة، خاصة في ظل تأثير اللوبيات اليهودية على السياسة الأمريكية.

وقد تبدو هنا معادلة سياسية شديدة التعقيد: يمكن لترامب أن يخفف الضغط عن غزة أو يدفع باتجاه إنهاء الحرب، فيظهر أمام الرأي العام الأمريكي باعتباره الرئيس الذي نجح في تحقيق السلام، بينما يحتاج نتنياهو في الوقت نفسه إلى الحفاظ على صورته أمام الناخب الإسرائيلي باعتباره رجل الأمن والحرب والحسم.

وبذلك تصبح القضية أشبه بمساومة سياسية غير معلنة؛ تخفيف الضغط عن غزة قد يرفع رصيد ترامب السياسي، لكنه قد يفرض على نتنياهو ثمنًا داخليًا، بينما استمرار الحرب قد يحافظ على موقع نتنياهو، لكنه يضعف صورة ترامب الذي يريد تقديم نفسه بوصفه قادرًا على إنهاء الحروب.

أما على الجانب الفلسطيني، فالصورة أكثر تعقيدًا. فحماس تواجه سؤالًا مصيريًا يتعلق بالسلاح ومستقبل مشروع المقاومة، بينما تتمسك حركة فتح بخيار التسوية والمسار السياسي، في ظل واقع فلسطيني يحتاج قبل كل شيء إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي وإعادة بناء رؤية وطنية قادرة على التعامل مع المرحلة المقبلة.

ولهذا فإن الحديث عن إنهاء الحرب لا يمكن فصله عن سؤال اليوم التالي، ومن سيحكم غزة، ومن يمتلك القرار الأمني والسياسي، وما مصير السلاح، وما شكل العلاقة بين غزة والضفة، وكيف يمكن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة وطنية جامعة.

إن تداخل هذه الحسابات الثلاثية يفسر، إلى حد كبير، لماذا تبدو كل المبادرات المطروحة لإنهاء الحرب عاجزة عن الوصول إلى اختراق حقيقي. فالمشكلة لم تعد فقط في شروط وقف إطلاق النار، وإنما في سؤال أكبر: كيف ينهي كل طرف الحرب دون أن يخسر معركته السياسية والانتخابية؟

وهنا تكمن المأساة الأكبر؛ فبينما ينشغل ترامب بحسابات صورته السياسية ومستقبل حزبه، ونتنياهو بحسابات بقائه السياسي والانتخابي، وينشغل الفلسطينيون بصراع البرامج والمشاريع وإعادة ترتيب البيت الداخلي، يبقى الشعب الفلسطيني في غزة هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر.

فغزة لا تنتظر نتائج الانتخابات، ولا تستطيع تأجيل معاناتها إلى حين انتهاء الحسابات السياسية. وبينما يبحث كل طرف عن مخرج يحفظ له موقعه، يبقى السؤال الأهم: متى يصبح إنهاء الحرب مصلحة تتقدم على الحسابات الانتخابية؟

ذلك هو التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة؛ أن تتحول غزة من ورقة في الحسابات السياسية والانتخابية إلى قضية إنسانية ووطنية وسياسية تستحق حلًا عادلًا ومستدامًا، وأن يصبح مستقبل الشعب الفلسطيني هو نقطة الانطلاق، لا مجرد نتيجة جانبية لتفاهمات القوى المتصارعة.