الأنشطة الصيفية في غزة... مساحة للحياة وسط الركام
نشر بتاريخ: 2026/07/22 (آخر تحديث: 2026/07/22 الساعة: 19:27)

قبل سنوات قليلة، كنا نطرق أبواب البيوت ونوزع بطاقات الدعوة للمخيمات الصيفية، ونلتقي الأسر في الأحياء والمدارس لنشجع أبناءها على المشاركة في برامج تصنع الفرح، وتنمي المواهب، وتملأ أوقات الفراغ بما ينفعهم.

أما اليوم، فقد تبدل المشهد بصورة موجعة. هُدمت البيوت، ودمرت مدارس، وتضررت أخرى ، وتبعثرت تفاصيل الحياة التي اعتدناها. لم تعد هناك أبواب كثيرة نطرقها، بل خيام نزوح تمتد على مرمى البصر، خيام بيضاء تشبه أكفان الموت، لكنها في الوقت نفسه تحتضن إرادة الحياة والصمود والبقاء.

ومن بين هذه الخيام نرفع صوتنا الوطني والإنساني، داعين أولياء الأمور إلى تسجيل أبنائهم وبناتهم في برنامج الأنشطة الصيفية التي تنفذها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في قطاع غزة. فهذه البرامج لم تعد مجرد أنشطة موسمية أو ترفيهية، بل أصبحت حاجة ملحة وضرورة تربوية ونفسية في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها أبناؤنا.

لقد تركت سنوات الحرب آثارًا عميقة في نفوس الصغار. ثغور جفت ضحكاتها، ووجوه غطاها غبار الخوف والانتظار، وأرواح أثقلتها أصوات الانفجارات ومشاهد الفقد والدمار. وكثير من الأطفال وجدوا أنفسهم يواجهون أعباء تفوق أعمارهم، حتى بدا وكأنهم شابوا قبل أوانهم واتكأوا على عكائز الأجداد وهم ما زالوا في بدايات أعمارهم.

من هنا تأتي أهمية برامج الأنشطة الصيفية باعتبارها مساحة للحياة وسط الركام، ونافذة يطل منها الأطفال على عالم أكثر رحابة وأملًا. ففي هذه البرامج يجدون فرصة للعب والتعلم والرياضة والفنون والقراءة والتفاعل مع أقرانهم، ويستعيدون جزءًا من طفولتهم التي سرقتها الظروف القاسية.

كما تسهم هذه البرامج في تعويض جزء من الفاقد التعليمي، وتعزيز المهارات المعرفية والثقافية والإبداعية، وإعادة ربط الطلبة بالعملية التعليمية. فكل ساعة يقضيها الطفل في التعلم والمعرفة هي خطوة نحو المستقبل، وكل نشاط يشارك فيه هو لبنة جديدة في بناء شخصيته وثقته بنفسه.

إن حماية الأطفال والتعليم ليست قضية تربوية فحسب، بل هي شكل من أشكال الصمود الوطني. فالشعوب التي تحافظ على تعليم أبنائها في أوقات الأزمات تحافظ على مستقبلها وهويتها وذاكرتها الجماعية. ولذلك فإن الاستثمار في الطفولة والتعليم اليوم هو استثمار في فلسطين الغد، وفي جيل سيكون قادرًا على حمل المسؤولية والمساهمة في بناء مجتمعه والدفاع عن حقوقه الوطنية.

كما أن دعم برامج الأونروا، وفي مقدمتها برامج الانشطة الصيفية، يحمل رسالة سياسية وإنسانية في آن واحد. فهو يؤكد تمسك اللاجئين بحقوقهم، ويعزز حضور الوكالة ودورها التاريخي تجاه اللاجئين الفلسطينيين، ويبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن قضية اللاجئين ما زالت حية، وأن أبناءها يتمسكون بحقهم في التعليم والحياة الكريمة رغم كل التحديات.

إن الانشطة الصيفية ليست رفاهية في زمن الأزمات، بل متنفس إنساني وتربوي يحتاجه أبناؤنا أكثر من أي وقت مضى. إنها محطة يستريحون فيها من زحمة الخوف، ومن طوابير الانتظار الطويلة، ومن قسوة تفاصيل الحياة اليومية، ليجدوا مساحة للفرح والتعلم والأمل.

وخلاصة القول، فإن تسجيل الأبناء في برامج الانشطة الصيفية ودعم برامج الأونروا يمثلان مساهمة مباشرة في حماية جيل كامل من آثار المأساة، وتجديد الأمل في نفوسه، وترسيخ حقه في التعليم والحياة. فكل طفل يعود إلى التعلم واللعب والابتسام هو انتصار للحياة على الألم، وللأمل على اليأس، وللمستقبل على كل محاولات كسره.