نتنياهو يحارب من أجل البقاء السياسي
نشر بتاريخ: 2026/07/14 (آخر تحديث: 2026/07/14 الساعة: 15:58)

تجلت خبرة بنيامين نتنياهو في الحكم خلال رئاسته للحكومة الحالية، وظهرت خبرته في «التلاعب السياسي» بخصومه وحلفائه على حد سواء، كما لم يحدث من قبل، وهو الرجل الذي ظل يقف على مقدمة وسط خشبة المسرح السياسي، خلال ثلاثة عقود متتالية، وشغل منصب رئيس الحكومة بزمن قياسي، كما لم يفعل أي رئيس حكومة إسرائيلي آخر، بما في ذلك ديفيد بن غوريون، مؤسس الدولة، ومناحيم بيغن، عرّاب اليمين السياسي، الذي قاده إلى الحكم منذ العام 1977.

فقد نجح نتنياهو بشكل مثير للغاية في قيادة الائتلاف الحاكم، حتى أكمل الكنيست الخامس والعشرون مدته القانونية، وهي أربع سنوات، رغم أن أحدا لم يعتقد بهذا قبل اربع سنوات، لأن الائتلاف الحاكم بدأ عهده بمواجهة حادة مع القضاء، وهو احد ركائز الدولة الإسرائيلية الأشكنازية ــ إن صح التعبير ــ نقصد تلك التي نشأت في العام 1948، برعاية غربية، ووفق مواصفات دولة المؤسسات التي كانت تعرّف بكونها دولة ديمقراطية، لكن نتنياهو وائتلافه الحاكم وجدا ضالتهما في الحرب التي اندلعت بعد مرور العام الأول على تشكيلها، وكان ذلك العام قد شهد تحقيق رقم قياسي، لم تشهده إسرائيل من قبل، وهو تواصل الاحتجاج والتظاهر ضد قرارات الحكومة التي تنتقص من سلطة القضاء، وذلك بشكل أسبوعي، إلى أن وقعت الحرب، فانشغلت إسرائيل بها بالطبع.

ثم تحدى نتنياهو العالم كله، بما فيه شريكه الوحيد، الأميركي، وكذلك الداخل الإسرائيلي، بما فيه المعارضة السياسية، والاحتجاج الشعبي، الذي لم يكن يطالب بوقف الحرب، ولكن كان يطالب بعقد صفقة تبادل الرهائن بوقفها حفاظا على حياتهم، لكن نتنياهو، وبدافع الحفاظ على مقعده كرئيس للحكومة يواجه تهم الفساد في المحاكم الإسرائيلية، وكذلك القضاء الدولي بتهمة ارتكاب جريمة حرب الإبادة في غزة، واصل الحرب، متجاوزا اجتياح رفح، ومتجاوزا مبادرة ترامب، ووسع الحرب لتشمل لبنان، بعد وقفها مع نهاية العام 2024، ثم لتشمل ايران، بما ادخل كل الشرق الأوسط في أتونها، وجر معه أميركا، لتطال آثار الحرب المدمرة الاقتصاد العالمي بأسره ارتباطا بمضيق هرمز.

وقاد نتنياهو ائتلافا كان هو الأكثر تطرفا، وفق تقديرات الخبراء في الشأن السياسي الإسرائيلي والعالمي، في ظل ظرف استثنائي، كان ذا طبيعة إشكالية داخلية في العام الأول، ثم ذا صخب إقليمي طوال الأعوام الثلاثة الماضية، ونجح بشكل مثير للغرابة في تجاوز قرار الكنيست في إجراء انتخابات مبكرة، وهذا أمر لم يحدث منذ 53 سنة مضت، وما يضاعف الغرابة أن الكنيست كان قد اتخذ قرارا بحل نفسه وتبكير موعد الانتخابات، بالقراءة الأولى، وذلك يوم 2 حزيران الماضي، وكان الجميع يترقب اتفاق أحزاب الائتلاف على الموعد المبكر للانتخابات، والذي لم يكن بعيدا كثيرا عن الموعد الطبيعي، وكان يرجح أن يكون بين منتصف أيلول ومطلع تشرين الأول القادم، أي قبل شهر أو شهرين من موعد إجراء الانتخابات الطبيعي، وطول شهر حزيران، لم يتطرق احد لهذا الأمر، وكأنه يجري تجاهله عمدا، ليعلن الائتلاف الحاكم، بشكل مفاجئ، يوم الأحد الماضي، إجراء الانتخابات في السابع والعشرين من تشرين الأول القادم.

هذا الإجراء يؤكد بأن نتنياهو كان قد أضطر، لقرار حل الكنيست بالقراءة الأولى قبل اكثر من شهر، وذلك لاحتواء غضب «الحريديم»، من عدم تمرير الائتلاف لمشروع قانون إعفاء طلاب المدارس الدينية من التجنيد، ذلك القانون الذي يعتبر مادة تحريضية مثالية بيد المعارضة، خاصة في ظل الحرب التي طالت واستنزفت طاقة إسرائيل البشرية، حيث انهك جيشها، وباتت حاجتها ملحة جدا للمجندين الجدد، الذين لا تجدهم، رغم وجود عشرات الآلاف منهم بين صفوف «الحريديم»، الذين يتم إعفاؤهم من الخدمة العسكرية، مقابل انحيازهم لليمين في التشكيل الحكومي.

بالنتيجة، نجح نتنياهو في البقاء على قيد الحياة السياسي، وصولا إلى المحطة التالية، التي ستكون الأخيرة، وذلك في حال خسرها، تماما كما كان الحال، فيما لو «فرط» عقد الائتلاف الحالي، في أي وقت مضى، لذلك غامر بكل شيء، وذهب بإسرائيل إلى مغامرة مدمرة، في حرب طويلة الأمد، ضد الشرق الأوسط كله، بعد أن اعلن نيته إقامة إسرائيل الكبرى، على حساب دول المنطقة كلها، الحلف الشيعي أولا، ثم الحلف السني تاليا، مبشرا بفرض تحالفه مع الهند واليونان وقبرص!.

لكن ورغم أن استحقاق 27 تشرين الأول القادم، يحل أولا بعد مرور ثلاث سنوات على «طوفان الأقصى» التي باتت وصمة عار على جبين تاريخه السياسي كله، ورغم أن الاستحقاق دستوري قانوني، أي انه ليس مؤكدا مئة بالمئة أن يقع، كما حذر على الأقل رئيس الحكومة السابق ايهود باراك من أن نتنياهو قد يلجأ لإشعال حرب إقليمية، وحتى داخلية، ليغلق الباب أمام صناديق الاقتراع، وذلك في حال تأكد بالطبع من خسارته لها، وفي هذا الصدد، ليس بإمكاننا أن نرجح مسارا ما، لأنه لم يسبق لإسرائيل أن أجلت موعد الانتخابات إلا في مناسبتين فقط، كانت الأولى انتخابات الكنيست الأول، وكان معدا لها أن تجري في تشرين الأول 1948، بعد «إعلان الاستقلال»، وتم تأجيلها إلى كانون الثاني 1949، بسبب ما سمي حرب الاستقلال، والثانية كانت مقررة أيضا في أواخر تشرين الأول 1973، وتأجلت إلى 31 كانون الأول بسبب حرب تشرين أو يوم الغفران.

في الحالتين، كان التأجيل لمدة تتراوح ما بين شهرين إلى ثلاثة اشهر، وبسبب الحرب، وهذا ما قصده باراك، وما يرجح عدم استبعاد فكرة محاولة نتنياهو تأجيل موعد الانتخابات، هو انه متقين تماما، بأنه لن يفوز بها، على الأقل لو جرت، اليوم، استنادا إلى استطلاعات الرأي التي باتت مستقرة منذ زمن، وتشير إلى أن أحزاب المعارضة ستحصل على مقاعد اكثر من مقاعد الائتلاف الحالي، لكن بعدد مقاعد يقترب من الأغلبية البسيطة، دون الوصول إليها، وبالتحديد، تمنح استطلاعات الرأي أحزاب الائتلاف الحاكم عدد مقاعد ما بين 50 ــ 52 مقعدا، أقل أو اكثر قليلا، وتمنح أحزاب المعارضة ما بين 57 ــ 60 مقعدا، بينما يستقر العرب على عدد مقاعد ما بين 10 ــ 11 مقعدا. وهذا يعني أن احد المعسكرين مضطر لضم العرب أو احد حزبيهما، أو أن الحالة ستكون عجز الطرفين عن تشكل الحكومة.

أما إن واصل ائتلاف نتنياهو الانحدار بحيث يهبط عن مستوى 50 مقعدا، بما يمكن خصومه من الحصول على أغلبية بسيطة دون العرب، فذلك يعني هزيمته المؤكدة، لذلك بات يخطط لدخول المعترك الانتخابي بكل خبرته وبكل ألاعبيه، والأهم بما ينتابه من رعب الخروج من الحكم، ليواجه المحاكم عاريا من الحصانة، وفي جعبته سابقة الفشل الإسرائيلي خلال الفترة ما بين 9 نيسان 2019. حتى 2 آذار 2020، حيث أجريت 3 انتخابات للكنيست، بسبب فشل المعسكرين في تحقيق الفوز، والأغلبية البسيطة لتشكيل الحكومة، هذا يعني أن «واقعية» نتنياهو المتمثلة في إدراكه بأنه لن يحقق الفوز، تدفعه للخطة «ب» وهي إفشال خصمه، ويكون ذلك بأن يصل بأحزاب الائتلاف إلى عدم الهبوط عن الرقم 50، لأن خصومه بالمقابل لن يصلوا بذلك إلى الرقم 61 السحري.

كذلك، قد يفيده ظهور أحزاب يمينية جديدة، لم تكن في الحكم خلال الأربع سنوات الماضية، ومحاولة «تعويم» الساحة السياسية، لعقد ائتلافات جديدة، وهنا لا بد من استرجاع حادثة ترؤس نفتالي بينيت للحكومة السادسة والثلاثين، وذلك في حزيران 2021 ولم يكن حينها يمتلك سوى سبعة مقاعد، هي مقاعد حزب (يمينا) الذي كان قد انشق به عن «البيت اليهودي»، مستغلا بذلك حالة التوازن التي جاءت بها الانتخابات ما بين مؤيدي نتنياهو ومعارضيه، وكان بينيت، حتى ذلك الوقت قد خاض الانتخابات يمينيا دون أن يعلن انحيازه لنتنياهو، كما فعل اليمين المتطرف، أو معارضته له، كما فعل اليمينيان أفيغدور ليبرمان، وجدعون ساعر الذي كان قد انشق عن «الليكود»، معارضا نتنياهو، ثم عاد إليه بعد تشكيل الحكومة الحالية، وبعد اندلاع الحرب، ليشغل منصب وزير الخارجية، وكل هذا يظهر الدوافع الشخصية لقادة الأحزاب الإسرائيلية.

هذا هو رهان نتنياهو الأخير، أو رهانه في محطته السياسية الأخيرة، التي قد توازي في أهميتها كل تاريخه السياسي، لأنها تعتبر حصاد ثلاثة عقود من قيادة الدفة السياسية، هو في أن يبقي على بصيص الأمل، بعد أن تعقدت الأمور جدا، لأنه لو كان قد حقق النصر الساحق على ايران، وأقام شرقه الأوسطي، لكان تقاعد من السياسة ودخل التاريخ كواحد من ملوك أو حتى أنبياء إسرائيل، لكنه سيراهن أيضا على ما يسمى «اليمين الناعم» وذلك لمنع خصومه من الوصول للرقم السحري (61) دون اللجوء للعرب.