لماذا تخشى إسرائيل مصر؟
نشر بتاريخ: 2026/07/08 (آخر تحديث: 2026/07/08 الساعة: 13:11)

نشرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، الأحد الماضي، تقريراً حول افتتاح مصر لمجمع «الأوكتاغون» الذي دشّنه الرئيس السيسي، السبت الماضي.
والتقرير في الواقع يتحدث عن المجمع والمشروع بلغة الإعجاب التي لا تخلو من الخشية. فالحديث يدور عن أضخم مركز قيادة وتحكم في الشرق الأوسط وفي العالم، وأنه أكبر من البنتاغون وأن الاسم ربما نبع أو تأثر من تسمية الأخير المقام على 89 ألف دونم.
وأنه مقسم إلى 13 منطقة إستراتيجية لوجستية، وصمم ليكون مركزاً موحداً لإدارة مؤسسات الدولة والتعامل مع الأزمات.
كما ذكر التقرير أن المجمع المصري يضم تقنيات متقدمة تشمل أنظمة ذكاء اصطناعي ومنظومات دفاع سيبراني، وشبكة اتصالات عالية السرعة، ومركز بيانات بمواصفات عالمية، وبنية تحتية مستقلة للمياه والكهرباء لضمان استمرار العمل في الظروف الطارئة.
وأشار تقرير «معاريف» إلى أن ما قام به الرئيس السيسي هو استعراض للقوة ومحاولة لاستعادة مكانة مصر العسكرية ودورها كعنصر استقرار في المنطقة.

ما خلف السطور في هذا التقرير يعبّر عن خوف إسرائيلي حقيقي من تعاظم قوة مصر ومكانتها في المنطقة وعلى مستوى العالم.
وهذا الخوف عبّر عنه أكثر من مسؤول إسرائيلي في السابق، ويجري تناوله في نقاشات البحث الإستراتيجية داخل إسرائيل وتحدث بين الفينة والأخرى احتجاجات على تعاظم قوة مصر، وعلى العقيدة التي يتبناها الجيش المصري الذي لا يزال يرى في إسرائيل العدو الأهم في المنطقة.
وهذا يذكرنا بالجدل الذي دار حول موافقة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، على صفقة شراء الغواصات الألمانية التي ابتاعتها مصر من ألمانيا، والتي يتهم فيها نتنياهو بأنه قد تلقى رشوة من الشركة للسماح للشركة الألمانية بموافقة الحكومة طبعاً على بيع نفس الغواصات التي اشترتها إسرائيل من الشركة.
وبطبيعة الحال لا تريد إسرائيل لمصر أن تكون بمستوى قوتها، ودائماً ما تشترط على الولايات المتحدة أن تبيع مصر معدات وأسلحة وطائرات أقل تطوراً أو مستوى من التي تحصل عليها إسرائيل.

الرئيس السيسي أخرج مصر من تحت عباءة السلاح الأميركي، وعمل على تنويع مصادر السلاح، واستطاع تعويض النقص في السلاح الأميركي الذي تحصل عليه مصر بسلاح غربي وشرقي آخر يمنح مصر قدرات أكبر وربما تفوقاً على إسرائيل في بعض المجالات. فحصلت مصر على أسلحة متطورة للغاية من دول غربية وشرقية كفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا والصين، كما قامت مصر بتطوير الصناعات العسكرية المحلية وهي معروفة في إنتاج السلاح منذ فترة طويلة بصمت ودون ضجيج.
كما طورت مصر قدرات كبيرة في المجال النووي ويجري بناء أكبر مفاعل نووي فيها في منطقة الضبعة بالتعاون مع روسيا. ومع أن مصر ملتزمة باتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، إلا أنها تملك القدرات والإمكانيات لو أرادت أن تذهب باتجاه التسليح.

ما كشفته الحرب الأخيرة على إيران هو فشل منظومات السلاح الأميركي في أن تكون المسيطرة والمتفوقة على ما عداها، وأثبتت إيران التي استخدمت تكنولوجيا وأنظمة صينية وروسية وحتى محلية أنه يمكن هزيمة التكنولوجيا الأميركية، وأن تسدد ضربات قاتلة لمنظومات الأسلحة الأميركية من طائرات وصواريخ ومنشآت حيوية، وقد شلّت عدداً كبيراً منها في دول المنطقة، وضربت قواعد حيوية في إسرائيل، وحتى الآن يجري التكتم على حجم الخسائر التي لحقت بكل من إسرائيل والولايات المتحدة.
وبالتالي فالدول التي تمتلك تكنولوجيات متنوعة يمكنها أن تؤذي إسرائيل وتضربها بشدة، وهذا هو حال مصر مع ما تملكه من قوة وتنوع في مصادر السلاح وقدرات إنتاجية كبيرة.

قوة مصر في الواقع لا تكمن فقط في قوة جيشها وقدراته، بل كذلك في قوتها الاقتصادية، فقد أثبتت مصر في الحرب الأخيرة مدى استقرارها السياسي والأمني على الرغم من كل ما عصف بالدول من حولها والأزمة الاقتصادية التي طالت مختلف أرجاء العالم. فمصر تحولت إلى وجهة جاذبة للاستثمارات الدولية، والآن تشهد حالة من العمران والمشاريع غير المسبوقة، وهذا لا ينبع فقط من الأمن والاستقرار الذي تشهده مصر، بل كذلك من سياسة اقتصادية حكيمة قائمة على بناء مشاريع البنية التحتية الكبرى في مجال النقل والمواصلات والممرات والموانئ والمناطق الصناعية، وتقديم التسهيلات في مجال الاستثمار.
هذا عدا الاكتشافات الكبيرة في مجال الطاقة. ولا شك أن حجم تحويل المصريين المغتربين لأموالهم للاستثمار في مصر، واندفاع دول عربية ومن مناطق مختلفة من العالم للاستثمار فيها، شهادة ثقة بالاقتصاد المصري وبقوة الاستقرار فيها.

عندما شنّت إسرائيل حربها على غزة كان هدفها المعلن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة باتجاه مصر، ولكنها اصطدمت بإرادة مصرية وتصميم على إفشال هذا المخطط، ولم تستطع إسرائيل تنفيذ ذلك بالقوة من خلال فتح ثغرات في الحدود مع مصر، فهي أدركت أن هذا سيقود لحرب شاملة لا تستطيع تحمّل تبعاتها، فالجيش المصري قوي ومستعد لحماية حدود مصر وأمنها. فاضطرت لبلع مخططاتها على أمل أن تسمح دول أخرى باستقبال عشرات آلاف الفلسطينيين ليجري تهجيرهم إليها.
بل إن الحرب وخرق إسرائيل لاتفاقية كامب ديفيد بنشر قواتها في منطقة الحدود مع مصر في رفح أدّيا لقيام مصر بنشر قوات كبيرة في سيناء، وتوسيع وبناء مطارات عسكرية، وتمركز لقواتها في مناطق كثيرة داخل سيناء. إسرائيل ترفض هذا الانتشار ولكنها لا تستطيع منعه؛ فمصر ليست كأي دولة في المنطقة.
والآن بعد الفشل الإسرائيلي في كل حروبها الأخيرة، ستحسب حساباً أكثر من السابق لقوة مصر وللتغيرات الإستراتيجية التي ستشهدها المنطقة والعالم نتيجة لما جرى في الحرب على إيران.