متابعات: ماذا لو كان تخطيط القلب الذي أجريته قبل سنوات يخفي إشارة تنذر باحتمال تعرضك للموت القلبي المفاجئ، لكن الطب لم يكن يمتلك آنذاك الوسيلة لاكتشافها؟
قد يبدو هذا السؤال أقرب إلى الخيال العلمي، إلا أن دراسة عالمية نُشرت في 24 يونيو (حزيران) 2026 في مجلة «نيتشر» (Nature) تطرح إجابة قد تغيّر مستقبل طب القلب. فقد نجح فريق دولي من الباحثين في توظيف الذكاء الاصطناعي لاكتشاف مؤشر كهربائي جديد داخل تخطيط القلب التقليدي، يرتبط بزيادة خطر الموت القلبي المفاجئ، ولم يسبق وصفه في الأدبيات الطبية.
وقاد الدراسة الدكتور زياد أوبيرماير من كلية الصحة العامة بجامعة كاليفورنيا – بيركلي، بالتعاون مع الدكتور ألكسندر شوبرت، والدكتور جيمس روس من جامعة شيكاغو، والبروفسور سيندهيل موليناثان من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والبروفسور ماركوس لينغمان من جامعة هالمستاد وجامعة غوتنبرغ في السويد، في تعاون علمي يجمع بين طب القلب، الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والاقتصاد.
عندما يفشل المعيار الذهبي
رغم التقدم الكبير في تشخيص أمراض القلب وعلاجها، لا يزال الموت القلبي المفاجئ يحصد مئات الآلاف من الأرواح كل عام، وكثيراً ما يصيب أشخاصاً لم يُصنّفوا ضمن الفئات الأكثر عرضة للخطر.
ويعتمد أطباء القلب منذ عقود على الكسر القذفي للبطين الأيسر، أي نسبة الدم التي يضخها البطين الأيسر مع كل نبضة، لتحديد المرضى الذين قد يستفيدون من زرع جهاز مزيل الرجفان القلبي، وهو جهاز صغير يُزرع تحت الجلد لإعادة نبض القلب إلى إيقاعه الطبيعي عند حدوث اضطراب كهربائي خطير. غير أن هذا المعيار، رغم اعتماده الواسع، لا يكتشف عدداً كبيراً من المرضى الذين سيتعرضون فعلاً للموت القلبي المفاجئ. وفي المقابل، قد يؤدي إلى زرع أجهزة لمرضى لن يحتاجوا إليها طوال حياتهم.
ومن هنا بدأ البحث عن وسيلة أكثر دقة، لكن المفاجأة أن الإجابة لم تأتِ من فحص جديد أو جهاز أكثر تعقيداً، بل من تخطيط القلب التقليدي الذي يستخدمه الأطباء منذ أكثر من قرن.
أكثر من 440 ألف تخطيط قلب
اعتمد الباحثون على قاعدة بيانات ضخمة ضمت أكثر من 441 ألف تخطيط قلب جُمعت بين عامي 2010 و2016 في إقليم هالاند السويدي، وربطوها بشهادات الوفاة والسجلات الصحية الإلكترونية. ثم استخدموا التعلم العميق، وهو إحدى تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على اكتشاف الأنماط المعقدة داخل كميات هائلة من البيانات، لتدريب نموذج يتعرف إلى الإشارات المرتبطة بالموت القلبي المفاجئ. وبعد ذلك اختُبر النموذج على قواعد بيانات مستقلة في الولايات المتحدة وتايوان؛ للتأكد من دقته وقدرته على العمل في مجتمعات سكانية مختلفة.
وكانت النتائج لافتة؛ إذ تمكّن النموذج من تحديد مجموعة صغيرة لا تمثل سوى 2.2 في المائة من المرضى، لكنها سجلت خطراً سنوياً للإصابة بالموت القلبي المفاجئ بلغ 7 في المائة، وهو معدل أعلى من ذلك الذي يحدده المعيار التقليدي المعتمد على الكسر القذفي للبطين الأيسر. والأكثر أهمية أن 86.1 في المائة من المرضى الذين صنفهم الذكاء الاصطناعي ضمن الفئة عالية الخطورة لم يكونوا مصنفين كذلك وفق المعايير السريرية الحالية.
ولم يقتصر الإنجاز على تحسين دقة التنبؤ، بل كشف أيضاً عن مؤشر كهربائي جديد داخل تخطيط القلب؛ وهو ما منح هذه الدراسة أهميتها العلمية الاستثنائية.
ليس مجرد تنبؤ... بل اكتشاف علمي
ربما تمثل هذه أكثر نتائج الدراسة إثارة للاهتمام. فالذكاء الاصطناعي لم يكتفِ بالتنبؤ بخطر الموت القلبي المفاجئ، بل ساعد الباحثين على اكتشاف علامة كهربائية جديدة داخل تخطيط القلب لم تكن معروفة من قبل.
ولتحقيق ذلك؛ استخدم الفريق نموذجاً توليدياً، وهو نوع من الذكاء الاصطناعي يستطيع إعادة بناء صور أو إشارات جديدة انطلاقاً من البيانات الأصلية. وقد مكّن ذلك الباحثين من مقارنة تخطيطات القلب منخفضة الخطورة ومرتفعة الخطورة، وكشف عن اختلافات دقيقة في نهاية مركب QRS (مركب إزالة الاستقطاب البطيني)، وهو الجزء من تخطيط القلب الذي يمثل انتقال الإشارة الكهربائية داخل البطينين، ولا سيما في الاشتقاق aVL، وهو أحد المسارات الاثني عشر التي تسجل النشاط الكهربائي للقلب من زوايا مختلفة. وتشير هذه التغيرات إلى احتمال وجود مؤشر كهربائي جديد يرتبط بخطر الموت القلبي المفاجئ.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للدراسة؛ فالذكاء الاصطناعي لم يقتصر دوره على تحليل البيانات بسرعة أكبر، بل أصبح أداةً تساعد العلماء على اكتشاف معرفة طبية جديدة قد تغير فهمنا لأمراض القلب.
من قراءة البيانات إلى فهم المرض
لا تقتصر أهمية الدراسة على اكتشاف مؤشر جديد في تخطيط القلب، بل تمتد إلى تقديم تفسير علمي محتمل لما قد يكمن وراءه.
ويعتقد الباحثون أن هذه التغيرات الكهربائية قد تعكس وجود تليف دقيق منتشر في عضلة القلب، وهو تراكم مجهري لأنسجة ليفية قد يعرقل انتقال الإشارات الكهربائية داخل القلب، ويزيد من احتمال حدوث اضطرابات خطيرة في نظم القلب قد تنتهي بالموت القلبي المفاجئ.
ورغم أن هذه الفرضية لا تزال في حاجة إلى دراسات إضافية لتأكيدها، فإنها تكشف عن تحول مهم في دور الذكاء الاصطناعي؛ فلم يعد يقتصر على تحليل البيانات أو تحسين دقة التنبؤ، بل أصبح يساعد العلماء على تفسير آليات المرض، وطرح فرضيات علمية جديدة قد تقود إلى وسائل أفضل للتشخيص والوقاية والعلاج.
ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟
تكتسب مثل هذه الدراسات أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتسبب أمراض القلب والأوعية الدموية في وفاة نحو 1.4 مليون شخص سنوياً، وتُعدّ السبب الأول للوفاة.
وتمتلك المملكة العربية السعودية ودول الخليج اليوم سجلات طبية إلكترونية متطورة وقواعد بيانات صحية واسعة، إلى جانب ملايين تخطيطات القلب المحفوظة في السجلات الإلكترونية. ولو أمكن تدريب نماذج مماثلة على بيانات المرضى العرب، فقد يصبح بالإمكان إعادة تحليل هذه التخطيطات لاكتشاف مرضى كانوا يُعدّون منخفضي الخطورة وفق المعايير التقليدية، بينما يحملون في الواقع مؤشرات تستدعي متابعة وقائية مبكرة.
وينسجم ذلك مع التحول الذي تشهده الرعاية الصحية في المملكة، حيث لم تعد السجلات الطبية الإلكترونية مجرد وسيلة لحفظ معلومات المرضى، بل أصبحت مصدراً لتطوير أدوات ذكاء اصطناعي تساعد على اكتشاف الأمراض والتنبؤ بها في وقت مبكر.
عصر جديد في الطب
تكشف هذه الدراسة عن أن العلاقة بين الطبيب والذكاء الاصطناعي تدخل مرحلة جديدة، لم يعد فيها دور الخوارزميات يقتصر على تسريع التشخيص أو تقليل الأخطاء، بل امتد إلى المساهمة في اكتشاف مؤشرات طبية لم تكن معروفة من قبل. فنحن نقترب من عصر يصبح فيه الذكاء الاصطناعي شريكاً في البحث العلمي، قادراً على الكشف عن أنماط ظلت مختبئة داخل البيانات الطبية لعقود، رغم أنها كانت موجودة أمام أعيننا.
وربما يكون هذا هو التحول الأكبر في الطب خلال السنوات المقبلة؛ فالثورة الحقيقية لن تقوم على ابتكار أجهزة أكثر تطوراً فحسب، بل على إعادة قراءة ملايين الفحوص والسجلات الطبية بعيون جديدة، تكشف عما عجزت الأدوات التقليدية عن رؤيته.
وقد يكون تخطيط القلب، ذلك الفحص البسيط الذي يستخدمه الأطباء منذ أكثر من مائة عام، أول دليل واضح على أن الذكاء الاصطناعي لا يغيّر طريقة تشخيص المرض فقط، بل قد يغيّر أيضاً الطريقة التي يكتشف بها الطب أمراضه ويفهمها في المستقبل.