مضيق هرمز عقدة المنشار
نشر بتاريخ: 2026/06/30 (آخر تحديث: 2026/06/30 الساعة: 22:25)

ليس لبنان على أهميته، ولا حتى البرنامج النووي، بقدر ما هو محرض ومثير، ولكن مضيق هرمز، هو عقدة المنشار بين أيران وأميركا، هو الفاصل بين الحرب والسلم، وهو الذي سيحدد، وإن بعد وقت، لن يكون قريبا، على أي حال، من الرابح ومن الخاسر في هذه الحرب، وبعد هذا الصراع المرير، ولا نقول المنتصر أو المهزوم، ذلك أن الحرب بطابعها العسكري، قد تنتهي بمنتصر أو بمهزوم، وقد تنتهي أيضا بلا غالب أو مغلوب، حين تتوقف عند حد الهدنة، وليس باتفاق سلام.

والحرب بين ايران وأميركا، توقفت كاستراحة محارب، ليس أكثر، ورغم أن الشرق الأوسط والعالم بأسره قد تنفسا الصعداء حين تم التوقيع الإلكتروني على وثيقة التفاهم، إلا انه كان واضحا، بأن ما نجم عنها من إعلان عن وقف الأعمال القتالية، ما زال هشا، ليس فقط لأن إسرائيل تسعى لتخريب الاتفاق، وذلك عبر لبنان، ولكن لأن إطار التفاهم نفسه، لم يكن أكثر من خطوة على طريق طويل، ارتبط مصيره بمفاوضات عسيرة لها علاقة بملف البرنامج النووي، وحددت له مدة ستين يوما، وهي تكاد تكون مضحكة بالنظر إلى أن اتفاق 2015 احتاج اكثر من عام للتوصل إليه.

على أي حال، ومنذ أن تبين أن الحرب لن تكون خاطفة، أي أنها لم تنتهِ باستسلام ايران بعد الضربات الأولى، ولا حتى بعد مضي الأربعين يوما، حين تقدم دونالد ترامب بمطلب الاستسلام لإيران، والأمر صار يسير بثقة اكبر نحو حرب الاستنزاف، أو منازلة الفرسان التي كانت تستمر أياما في قديم الزمان، لكن الأيام أو الأسابيع التي تلت وقف النار المؤقت في الثامن من نيسان وحتى السابع عشر من حزيران، أي سبعين يوما من وقف إطلاق النار، لجأ الطرفان إلى الضغط الاقتصادي، فقد وجدت ايران خلال الحرب، في مضيق هرمز ضالتها أو ورقتها التي وصفها البعض بأنها سلاحها النووي، في إشارة واضحة لأهميتها، لأن ايران لو اعتمدت فقط على الصمود وتحمل تلقي الضربات العسكرية، لما توقف الأميركيون ولا الإسرائيليون، والدليل أن إسرائيل ما زالت تواصل عملية القتل اليومي لسكان قطاع غزة، ومواصلة قضم جغرافيا القطاع، وذلك في محاولة لفرض التهجير بعد وقت، بعد أن استحال تنفيذه فورا، والحقيقة أن إغلاق مضيق هرمز جاء في البداية كتحصيل حاصل، لكن بعد أن تبين لإيران ولأميركا ثم للعالم أهميته، بات إيقاع الحرب والسلام مرتبطا به بالدرجة الأولى.

وحتى نقترب من الصورة بشكل أوضح، لا بد لنا أن نؤكد أولا بأن أميركا ليست مهتمة أبدا، ولا بأي شكل، بما تعرض له الاقتصاد العالمي من ضرر، جراء إغلاق المضيق، بسبب حربها التي شنتها على ايران، بل على العكس من ذلك، لو أن الضرر ظل مقتصرا على شرق آسيا (اليابان، كوريا والصين) وأوروبا، تلك المناطق أو الدول التي تستورد نفط وغاز الخليج، لوجدت في ذلك عاملا إيجابيا بالنسبة لها، لأنه يلحق الضرر بمنافسيها الاقتصاديين العالميين، وخلال الحرب كان ترامب واضحا في هذه النقطة، حين قال، إنه يتوجب على المتضررين، وقصد الأوروبيين والآسيويين، أن يفتحوا المضيق، لأن أميركا ليست معنية بهذا الأمر، لكن انعكاس ذلك على الداخل الأميركي، بارتفاع نسبة التضخم، أي ارتفاع أسعار السلع، خاصة وأميركا ذاهبة لانتخابات نصفية للكونغرس، فإن الأمر سرعان ما أصاب ترامب «بالهوس»، لذا غير لهجته تجاه ايران، من التهديد بالمسح من خريطة الجغرافيا، إلى الإشادة بشعبها وإعلان الرغبة في لقاء المرشد!

وقد كان إغلاق المضيق، وارتفاع أسعار النفط بنحو 100%، تحديدا من سعر يقارب 60 دولارا للبرميل، قبل الحرب إلى اكثر من 110 دولارات خلال الحرب، هو الدافع الرئيس وراء قرار ترامب الذهاب إلى وثيقة التفاهم، التي كانت صورة طبق الأصل عن بنود الورقة الإيرانية ذات البنود الـ14، التي كانت قد ردت بها على مطالبات ترامب بالاستسلام، والوثيقة ببنودها كانت واضحة بأنها جاءت لصالح ايران، لذلك أحدثت زلزالا داخل إسرائيل، ودلت على وجود مسارين في السياسة الخارجية الأميركية، أحدهما على يمين ترامب والآخر على يساره، الأول يمثله وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيغسيث، والثاني يمثله نائب الرئيس جي دي فانس، ومعه جاريد كوشنر صهر ترامب، وستيف ويتكوف المبعوث الخاص للشرق الأوسط.

لكن الأمر الواضح في الوثيقة كان وقف الحرب مقابل فتح المضيق، أو لأن وقف الحرب تلقائيا يعيد المضيق للعمل، وكان هذا كل ما يهم ترامب، أن يوقف ارتفاع سعر برميل النفط، وهو كان حتى قبل التوصل لوثيقة التفاهم يعلن بين فينة وأخرى عن إشارات ذلك لتخفيف الضغط على بورصة الطاقة، أما ايران فلم تكن في عجلة من أمرها، ذلك أن الضغط العسكري قد توقف منذ الثامن من نيسان، ليس لأن الأميركيين قد حققوا أهدافهم، أو لأنهم باتوا رحماء فجأة، وليس لأن الإسرائيليين هم على ذلك النحو، بل لأن ايران كانت لا تزال قادرة على الرد، وبشكل أقوى، فيما كانت الذخائر خاصة صواريخ الاعتراض في القبب الحديدية الإسرائيلية والأميركية تنفد، وهذا اتضح حين صارت الصواريخ الإيرانية تصل لأهدافها في إسرائيل، وتلحق الضرر البالغ في القواعد العسكرية الأميركية.

حاول ترامب، إذاً، عبر وثيقة التفاهم أن «يستغفل» ايران، ذلك أن مجرد فتح مضيق هرمز، كما كان حاله قبل الحرب، يعني إفلات تلك الورقة الأهم من بين يديها، وحينها قوة الدنيا كلها لن تجبر ترامب على الالتزام لا بوثيقة التفاهم ولا بغيرها، أما إسرائيل، فقد ركزت على لبنان لتخريب الوثيقة من جهة، وللتقليل من وقع ما حققته ايران من صورة للنصر عبر تلك الوثيقة، حين فرضت على أميركا أن تشمل وثيقة التفاهم لبنان أيضا، لكن ايران ليست قوية عسكريا وحسب، وقوتها ليست نوعية ولكنها معتمدة على أدوات الحرب غير المتناظرة، وقد ثبتت صحة الرهان على تلك الأدوات في ميدان القتال، حيث تصدت الصواريخ والمسيّرات رخيصة الثمن والتكلفة لطائرات الشبح وصواريخ توماهوك وكروز بالغة التكلفة.

المهم أن ايران نجحت في تضمين وثيقة التفاهم، في البند الخامس، نصا يشير إلى إدارتها للمضيق، والمضيق مثل كل مياه بحرية إقليمية، يقع بين اليابسة الإيرانية والعمانية، لكن مع أهمية أعلى للجانب الإيراني، حيث المياه من جهتها أعمق، فيما المضيق من جهة عمان أضيق والمياه ضحلة، أي تناسب البواخر التجارية الأقل حجما، فيما البواخر العملاقة وناقلات النفط، تمر بالضرورة من الجانب الإيراني للمضيق، ورغم هذا فقد عرضت ايران منذ بداية الحرب أن تتفق دول الخليج، خاصة ايران وعمان على إدارة تتوافق مع القوانين الدولية، لكن بعد أن أدى جناح فانس مهمته بالتوصل لوثيقة التفاهم، جاء دور روبيو ليفرغ الوثيقة من محتواها الأهم، حين جاء لمجلس التعاون، محرضا على الذهاب بعيدا عن التفاهم مع ايران.

أما ايران فهي تعرف طبيعة عدو لم يلتزم بأوسلو، ولا باتفاق 2015، لذلك احتفظت بورقة المضيق ميدانيا، وذلك من خلال الإبقاء على الألغام البحرية، ومن خلال الإصرار على ضرورة أن تنسق البواخر والسفن مع حرسها الثوري، الذي يعرف خريطة الألغام، والتنسيق معه يجنب السفن الوقوع في حقول الألغام، كذلك اتضح بأن الأمر لم يتعدَ هذه الخطوة، فالطرفان ليس لديهما وهم حقيقي بإمكانية التوصل لاتفاق سلام لا بعد ستين يوما، ولا بعد ستة اشهر، ودون مبالغة ليس في عهد ولاية ترامب.

مع كل هذا، كان يمكن للطرفين السير قدما، لو أن أميركا تحلت بروح الحل الوسط، فإذا كان هرمز يضغط على أميركا بما يحدثه من تضخم، فإن ايران مضغوطة اقتصاديا، وطبعا، وعود من مثل تشكيل مجلس إقليمي لضخ 300 مليار دولار لإعمار ايران، لا تنطلي على طهران، فهي ليست غزة، ولأن ايران بحاجة إلى أموال، كان ولا يزال على أميركا أن تختار بين الافراج عن أموالها المجمدة، والتي تصل إلى مائة مليار دولار، أو تتركها تحصل على رسوم من هرمز، تعوضها عن تلك الأموال التي تواصل أميركا السطو عليها منذ ما يقارب الخمسين سنة.

لكن مع ترامب، لا احد يمكنه أن يسترد أمواله، فهو رجل الأعمال «البلطجي» الذي يحاول أن يبقي على النظام العالمي الأميركي من خلال «استثمار» القوة العسكرية، وفعل هذا في فنزويلا، وحاول أن يكرر فعلته مع ايران، وقال فعلا يوما، إن أميركا قد تدير المضيق بهدف السيطرة على 20% من نفط العالم، وفعلا بدأت الفكرة تداعب خياله المالي، بعد أن فتحت ايران عينيه على فكرة دفع مقابل المرور في المضيق.