عندما تتكلم المصالح تصمت الشعارات
نشر بتاريخ: 2026/06/17 (آخر تحديث: 2026/06/17 الساعة: 18:04)

الحرب بين إيران وإسرائيل وإعادة إنتاج النفوذ الغربي في الشرق الأوسط

في السياسة لا تُقاس نتائج الحروب بمن أطلق الصاروخ الأخير، بل بمن أعاد تشكيل موازين القوة لصالحه.

انشغل كثيرون خلال المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل بالسؤال التقليدي: من انتصر عسكريًا؟ غير أن السؤال الأهم هو: من خرج بمكاسب استراتيجية طويلة الأمد؟

لم تكن هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين خصمين إقليميين، بل حدثًا سياسيًا أعاد ترتيب الأولويات في الشرق الأوسط بما يخدم استمرار النفوذ الأمريكي والغربي. ففي وقت كانت فيه قوى دولية صاعدة، وعلى رأسها الصين وتجمع بريكس، تسعى إلى الدفع نحو نظام عالمي أكثر تعددية، أعادت الحرب المنطقة إلى المربع الأمني والعسكري الذي تمتلك فيه الولايات المتحدة أدوات التأثير الأكبر.

ومع تصاعد المخاوف الإقليمية، عاد الأمن ليصبح العنوان الرئيسي لسياسات المنطقة، وتراجعت ملفات التنمية والتكامل الاقتصادي أمام سباق جديد نحو التسلح والبحث عن الضمانات الأمنية. وفي مثل هذه البيئة تستعيد واشنطن دورها التقليدي باعتبارها الراعي الأمني الأول، فيما تتعزز مكانة إسرائيل بوصفها عنصرًا رئيسيًا في معادلات الأمن الإقليمي.

كما كشفت الحرب مرة أخرى حدود الخطابات الأيديولوجية في العلاقات الدولية. فإيران، كغيرها من الدول، تصرفت وفق حسابات المصلحة القومية ومتطلبات بقاء الدولة، لا وفق الشعارات التي رافقت خطابها السياسي لعقود. وهذه ليست خصوصية إيرانية، بل قاعدة تحكم سلوك جميع الدول عندما تتعارض الشعارات مع المصالح.

ومن هنا تبدو غزة المثال الأكثر قسوة على هذه الحقيقة. فبينما جرى تقديمها لسنوات باعتبارها محور الصراع المركزي، بقيت في النهاية خارج أولويات الحسابات الاستراتيجية للدول، لتدفع الثمن الأكبر فيما كانت القوى الإقليمية والدولية تدير صراعاتها وتسوياتها وفق مصالحها الخاصة.

لذلك فإن النتيجة الأعمق لهذه الحرب لا تكمن في حجم الدمار أو عدد الضربات المتبادلة، بل في أنها ساهمت في إعادة إنتاج النظام الإقليمي القائم ومنحت الولايات المتحدة وإسرائيل فرصة جديدة لترسيخ نفوذهما. وبينما انشغل الجميع بمتابعة المعركة، كانت موازين القوة تعيد تشكيل نفسها بهدوء، لتؤكد أن الرابح الحقيقي في الحروب ليس من يرفع راية النصر أولًا، بل من ينجح في إعادة هندسة النظام السياسي بما يخدم مصالحه. ومن هذه الزاوية، تبدو هذه الحرب أقرب إلى محطة جديدة في مسار تجديد الهيمنة الغربية على المنطقة منها إلى مجرد مواجهة عسكرية عابرة.