بين عقيدتَي الضاحية وغزة
نشر بتاريخ: 2026/06/02 (آخر تحديث: 2026/06/02 الساعة: 22:25)

تمضي آلة الحرب الإسرائيلية في تدمير حضارة وإرث ومعالم صور والنبطية وبنت جبيل والخيام وميس الجبل ويارون والناقورة وعلما الشعب، وعشرات البلدات والقرى في الجنوب اللبناني أو ما اشتهر بمسمى جبل عامل. يتفاخر نتنياهو بأن جنوده سيطروا على قلعة الشقيف وقبل ذلك هجروا مئات آلاف اللبنانيين، وطالبوا سكان مدن وبلدات عريقة كصور والنبطية والضاحية وعشرات القرى والبلدات بالإخلاء، ونسفوا الجسور التي تربط الجنوب ببيروت والبقاع وهددوا سد القرعون. لقد أعلنوا حرباً على الناس والأرض والذاكرة والثقافة والتراث الإنساني والحضاري والروحي. يصعب رؤية هذا المكان وهو يدمر، ويعز على الشعب اللبناني خسارة أحد أهم مكونات وحدة لبنان. ويعز على الفدائيين الفلسطينيين الذين احتضنهم الجنوب اللبناني وقاوم معهم دولة الاحتلال وتحوّل إلى مركز للتحرر ولثقافة التحرر، حيث تواجدت العديد من المنظمات الثورية ومئات المقاتلين من أنحاء العالم، فضلاً عن انخراط آلاف اللبنانيين والسوريين والعراقيين الذين كانوا جزءاً مهماً من الثورة، كل واحد من هؤلاء يعز عليه أن يتعرض الجنوب اللبناني للتدمير الوحشي الإسرائيلي، وأن تتعرض بيروت ملتقى أدب وفن وثقافة التحرر ورمز الحرية للتهديد والعدوان.

اعتمد جيش الاحتلال سياسة الضغط على سكان الجنوب بالقتل وتدمير المنازل والبنية التحتية والتشريد، وإلحاق خسائر أكبر بكثير من طاقة البشر والبلد على التحمل. وذلك لفرض شروط المعتدين. قال جنرالات الحرب: إنهم يطبقون عقيدة غزة على الجنوب اللبناني، وقالوا قبل 7 أكتوبر: إنهم يطبقون عقيدة الضاحية على غزة. وعقيدة غزة لمن لا يعرف هي عقيدة الموت والدمار والجوع والتشريد وفقدان أبسط أشكال الأمان وأبسط حقوق الإنسان. ومما لا شك فيه أن الضغط على السكان بهذا المستوى الوحشي يساوي استخدامهم دروعاً بشرية، وهذا يندرج في بند جرائم حرب وجرائم بحق الإنسانية.

جاء في المجلة الفرنسية (بيديا بارت): «تعيد الحكومة الإسرائيلية تشكيل غزة كما تشاء، علناً وبشكل منهجي، دون أن يتمكن أحد من إيقافها».الخط الأصفر يتقدم، والتكتيك الجديد يعزز السيطرة الإسرائيلية والدمار مستمر: أكثر من مليونَي فلسطيني يعيشون وسط أنقاض 40% من الأراضي المتبقية خارج السيطرة الإسرائيلية، وبحسب نتنياهو ستنحسر تلك الأراضي إلى 30% من مساحة القطاع، ليعيشوا في ظروف كارثية. ومنذ بدء وقف إطلاق النار استمرت أعمال القتل والتدمير؛ فقد تجاوز عدد الضحايا 900 شخص أكثريتهم من الأبرياء. أما خطة ترامب ومجلس السلام لإعادة إعمار غزة، فبعد أربعة أشهر، لا توجد نتائج تُذكر: الأموال الموعودة لم تصل، ولم تُوقع أي عقود، ولم تُنشأ آليات عمل. ويبدو أن المشروع مجرد هيكل فارغ أكثر من كونه أداة حقيقية للحكم.

في لبنان، ومع وقف إطلاق النار، يواصل جيش الاحتلال توسيع عملياته البرية وفرض وقائع ميدانية مطردة. وفي تطور خطير قال نتنياهو: إنه أصدر تعليماته لتنفيذ ضربات ضد أهداف داخل العاصمة بيروت. وكان من اللافت قول نتنياهو: إن حكومته ماضية في خطتها لإعادة سكان شمال إسرائيل إلى بلداتهم وتأمينهم بشكل كامل، مشيراً إلى أن الإجراءات الأمنية التي طبقت في جبهة غزة سيتم العمل على تطبيق نماذج مشابهة لها في الجبهة الشمالية مع لبنان. وكان وزير المالية سموتريتش دعا إلى تدمير «100 مبنى» في بيروت مقابل كل طائرة مسيّرة تصيب جندياً إسرائيلياً. لا يوجد ما يشبه هذا الكلام إلا عند أصحاب شريعة الغاب وغطرسة القوة المنفلتة من كل قوانين وأنظمة الكوكب. فإعادة الإسرائيليين إلى بلداتهم تقتضي تدمير البلدات اللبنانية، وحماية سكان غلاف غزة الإسرائيليين تتطلب إبادة وتهجير 2.3 مليون فلسطيني، ومقتل جندي واحد يقابله هدم 100 منزل في بيروت بحسب سموتريتش. وكل ذلك يتم بإجازة من إدارة ترامب، إجازة لا تخلو من ضبط محدود كوقف تدمير البنية التحتية للدولة اللبنانية.

يقول الكاتب اللبناني عقل العويط في صحيفة النهار: «يواجه المواطن اللبناني جحيمَين، جحيم إسرائيل الذي يتخصص الإعلام في تسويقه وجحيم أيديولوجيا الانتحار». أصاب العويط في تشخيصه، فالجحيم الإسرائيلي على رؤوس الأشهاد وقد تعرف عليه كل لبناني وفلسطيني والرأي العام العالمي في معظمه. أما الجحيم الثاني فهو داخلي مصدره الذين لا يكترثون ولا يتحسسون عذاب وموت وتشريد شعبهم، بمبرر أن مقاومتهم تلحق أضراراً مؤلمة بعدوهم وترفع تكلفة حربه، وأن المقاومة تحرم العدو من تحقيق النصر السريع والحاسم، وتعيد صناعة مستوى من الردع والتوازن الذي يحول دون تكرار الحرب. هذه الأهداف والإنجازات لا تقنع أحداً لأن الخسائر التي تلحق بإسرائيل وأميركا لا تقارن بالخسائر الضخمة التي تلحقانها بالمجتمعات المستهدفة في لبنان وفلسطين وسائر دول محور المقاومة والممانعة. على سبيل المثال تقدر تكلفة إعادة الإعمار في قطاع غزة بـ70 – 80 مليار دولار. تتحكم إسرائيل وأميركا في دفع هذا المبلغ أو أجزاء منه وفي صرفه وحتى الآن لم يدفع مليار واحد، فمن يُعيد الإعمار؟ وليس من الصعب تحكّم أميركا بإعادة الإعمار في لبنان. التحكم بالإعمار وحركة الأموال هو أحد تجليات ميزان القوى الذي يفعل فعله في الحرب واللا حرب. إن أقصى ما يمكن لحركة «حماس» أن تحصل عليه هو تحولها إلى تنظيم سياسي غير مسلح وخارج الحكم، وأقصى ما يستطيع «حزب الله» إنجازه هو التحول إلى تنظيم سياسي دون ترسانة عسكرية. هذا التقدير نابع من ميزان القوى القائم والمحتمل. ثمة مؤشرات عديدة على أن العودة إلى ما قبل 7 أكتوبر لجهة إبرام هدنة واستمرار السيطرة والتحضير لمواجهة عسكرية جديدة قد انتهى؛ لأن المؤسسة الأمنية الأميركية غيرت سياستها مع أقطاب محور المقاومة والممانعة، وانتقلت من سياسة الاحتواء القائمة على تقاطع مصالح التي يأتي في مقدمتها كبح التطور السياسي والاجتماعي والديمقراطي، ومنع حل سياسي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإلى بقائه صراعاً مفتوحاً، واستخدام إسرائيل وأميركا تهديد محور المقاومة في إعادة بناء الهيمنة على المنطقة.

لقد كشفت الحرب مستوى قوة «محور المقاومة». فإيران لم تدخل حرباً مباشرة وشاملة دفاعاً عن قطاع غزة ولبنان واليمن على الرغم من تعرض هذه الساحات التابعة للمحور لضغوط وخسائر شديدة. سقطت إيران وردعها في الاختبار حين لم تنتصر لغزة ولبنان، وحين أوقفت إطلاق النار وبقي لبنان يتعرض للهجمات التدميرية وبقي مئات ألوف اللبنانيين تحت رحمة قرارات الإخلاء والتهجير الإسرائيلية.