أيام في الجامعة
نشر بتاريخ: 2026/06/01 (آخر تحديث: 2026/06/01 الساعة: 22:25)

لم يكن منزلنا في صويلح يبعد عن الجامعة الأردنية سوى بضعة كيلومترات، وطالما قطعنا تلك المسافة جيئة وذهاباً مشياً على الأقدام، كانت أجرة الباص خمسة قروش، وإلى كراجات العبدلي عشرة، كنا نادراً ما نغادر صويلح، ففيها كل ما تشتهي الأنفس، وفي المرات القليلة التي كنا نذهب فيها إلى عمّان (غالباً لزيارة الطبيب، أو لزيارة أحد أقربائنا المنتشرين في جبال عمان السبعة، وتحديداً في الشرقية منها) كلما مررتُ من أمام الجامعة الأردنية وألمح بوابتها الجميلة بقبابها البيضاء المميزة وأشجار السرو المنتشرة بكثافة حولها تراودني أفكار غامضة عن تلك الجامعة.. متخيلاً عالماً ساحراً يتشكل خلف تلك البوابات.

افتُتحت الجامعة في العام 1962، وكانت البداية بنواة لكلية الآداب، شملت أقسام العلوم الإنسانية.

ضم الفوج الأول 160 طالباً وطالبة، يدرسهم مجموعة من الأكاديميين البارزين والأكفاء من العالم العربي؛ أردنيين وعراقيين وسوريين، ترأسها الدكتور ناصر الدين الأسد، وهو شخصية بارزة كان لها وزنها في الساحتين الأكاديمية والأدبية، وقد حظيت الأفواج الأولى بتفضل الملك الحسين بتخريجهم، وكان يصافحهم واحداً واحداً، في فعالية مبهجة تُبث على التلفزيون.

كانت الجامعة شعلة نشاط وساحة مصغرة للصراعات السياسية والمناظرات الفكرية من مختلف التيارات، بعد سنة من تأسيسها قرر الأردن الدخول في الحرب اليمنية إلى جانب السعودية والملكيين، فاندلعت الاحتجاجات الشعبية رفضاً للقرار، ووصلت الاحتجاجات إلى الجامعة، فنظمت تظاهرة كبيرة ما حدا قوات الأمن للتدخل، ثم تقرر إغلاق الجامعة فصلاً كاملاً، كانت المرة الوحيدة التي تُغلق فيها.

في ربيع العام 1978 حظيتُ بأول زيارة للجامعة، كانت الذكرى الثانية ليوم الأرض، وقد أقام ناشطو الحركة الوطنية معرضاً خاصاً لإحياء المناسبة، تحديداً في مبنى المكتبة القديم، أبهرني المعرض برسوماته ولوحاته وصوره والفعاليات التي أقيمت آنذاك، ما زلت أذكر صورة الشهيدة لينا النابلسي، وشخصاً ما يقف أمام مستمعيه ويشرح لهم خارطة لحرب أكتوبر، وقد استخدم عبارة "فكي الكماشة".. المهم أن المعرض لاقى ترحيباً وإقبالاً كبيراً من الطلبة ومن الأهالي الذين قدموا بالمئات لمشاهدته.

في العام التالي، وفي اليوم ذاته، ركبنا أنا وتوأمي محمود الباص قاصدين الجامعة لمشاهدة معرض يوم الأرض في ذكراه الثالثة، فوجئنا أن البوابة الرئيسة مغلقة، وقد انتشرت حولها قوات كبيرة من الشرطة ورجال الأمن، يمنعون أي شخص من دخول الجامعة، باستثناء طلبتها، وبعد تفتيشهم.. حاولنا الدخول عبثاً، فتوجهنا إلى بوابة كلية العلوم، فوجدناها مغلقة، ثم إلى بوابة كلية الزراعة وأيضاً فشلنا في الدخول، وأخيراً تمكنا من الدخول من جهة مستشفى الجامعة باتجاه كلية الطب، وسرنا نحو مبنى المكتبة فوجدناها فارغة، وقد منعت رئاسة الجامعة إقامة أي فعالية وطنية في ذلك اليوم.. أُصبنا بخيبة أمل.

استبدل طلبة الحركة الإسلامية بيوم الأرض فعالية عرض فيلم "الرسالة"، وقد شاهدنا إعلاناً لعرض الفيلم في قاعة سمير الرفاعي، فوجدناها فرصة لمشاهد الفيلم بالمجان، وحتى لا نعود خائبين.

لم أدرك حينها أن تلك السنة ستكون بداية تحول كبير ليس في هوية الجامعة وأجوائها وحسب، بل في سائر المنطقة؛ إذ بدأت رحلة صعود تيارات الإسلام السياسي، والاختفاء التدريجي لمظاهر المدنية والتعددية، حتى مرت بضعة عقود وضربت المنطقة عاصفة ثلجية، ومن الطبيعي أن تكون منطقة الجامعة الأشد تأثراً، لدرجة أنها اقتلعت وحطمت عشرات الأشجار.. فقام طلبة الفنون الجميلة بالتقاط جذوع وسيقان الأشجار وصقلها وتشذيبها على شكل منحوتات وتماثيل بديعة وضعوها في أماكن منتقاة في باحات الجامعة، ما أثار حفيظة وسخط بعض الطلبة من الأصوليين، الذين اشتكوا لعمادة شؤون الطلبة معترضين عليها بحجة أنها تماثيل وأصنام تُعبد من دون الله .. داعين لتحطيمها، فجاء رد الإدارة "وسطياً"، إذ اكتفت بجمع المنحوتات وإلقائها في أحد المستودعات.. على الأقل كان تصرفها أرحم وألطف من تصرفات جموع الدواعش حين اقتحمت مدينة تدمر وحطمت بلا رأفة تماثيلها، التي لا تقدر بثمن.

بعد عشر سنوات سأعود للجامعة مرة ثانية، ملتحقاً بكلية الدراسات العليا.. شهدت تلك السنة (1989) إنهاء حالة الأحكام العرفية، واستئناف الحياة الديمقراطية.

لم يتأخر المجتمع الأردني، فأُعلن عن تأسيس عشرات الأحزاب والتكتلات والجمعيات، لدرجة أن الملك الحسين قال: هذا الازدحام سيخلق أزمة مرور، بمعنى خفوا علينا شوية..

وجدناها فرصة لإنشاء اتحاد الطلبة، فعقدنا عشرات الاجتماعات داخل وخارج الجامعة، كنتُ حينها ناشطاً محسوباً على حركة فتح.. جاء رمضان تلك السنة في الربيع، فقررتُ إقامة مأدبة إفطار لممثلي القوى الوطنية، جهزت قائمة بالمدعوّين فإذا بها كبيرة جداً، والبيت لا يتسع لهم، فقد تضطر أمي لطرد القوى الوطنية فأكون قد خربت مشهد الوحدة الوطنية، فقمتُ بتخفيض العدد إلى ثلاثين وتحمّل الإحراج أمام من لم تتم دعوته، ثم قسمت المدعوين إلى مأدبتين، الأولى لنشطاء فتح، والثانية لبقية القوى الوطنية.

على المأدبة جرى نقاش واسع وساخن حول الواقع الجديد، وهذا العدد الكبير من الأحزاب السياسية، وتصنيفها بين يمين ويسار، ومن يمثل الشغيلة والكادحين والطلبة، ومن يمثل اليمين والبرجوازية والعشائرية، وفرص كل حزب في استقطاب الجماهير، وكيف يصوغ خطابه، وما هي أدواته وأساليبه.

في الحقيقة كانت الفروقات بين أطروحات الأحزاب بالكاد تُرى، وقد ظهرت عشرات المقترحات والتصورات المتناقضة، وبما أني صاحب البيت، ستكون لي كلمة الفصل، وأثناء احتدام النقاش سكت الجميع فجأة بانتظار ما سأنطق به، وبنبرة استعراضية ساخرة قلت: أيها الرفاق، أي حزب يريد النجاح واستقطاب الجماهير والفوز في الانتخابات البرلمانية عليه فقط أن يستأجر مقره بحيث يكون على شارع رئيس يسهل الوصول إليه مشياً، أو بالسرفيس، دون الحاجة لسيارة خاصة أو تاكسي.. على الفور دوت ضحكة هستيرية، وخرب الاجتماع، وأكلنا القطايف وانفض الجمع كلٌ إلى عالمه الخاص.

لم أكمل دراستي في الجامعة الأردنية لأسباب أمنية قاهرة، لكني خبأت فيها أجمل الذكريات، هناك تشكلت شخصيتي وتعرفت على أروع الأصدقاء، سيظل لها مكانة خاصة في قلبي، وحنين أبدي بأن أزورها مرة ثانية ذات يوم.