إلى متى سيبقى عدّاد القتل مفتوحًا في غزة وكأن أرواح أهلها مجرد أرقام تُضاف إلى نشرات الأخبار؟
إلى متى ستظل المدينة تُسحق تحت نار حربٍ لم تترك بيتًا إلا ومرّت عليه، ولا أمًّا إلا وأثقلتها بالفقد، ولا طفلًا إلا وسرقت من عينيه براءة العمر؟
كذلك غزة اليوم ليست ضحية صواريخ فقط، بل ضحية حسابات سياسية فاشلة، وقرارات مرتجلة، وصراعات سلطة دفعت ثمنها الناس البسطاء الذين وجدوا أنفسهم بين نار الحرب وسندان العجز والتخلي...
لقد تحولت غزة إلى ساحة يدفع فيها المدنيون الفاتورة كاملة، أطفالٌ تحت الركام، وشبابٌ يُدفنون قبل أن يكملوا أحلامهم، وعائلاتٌ بأكملها مُسحت من السجل الإنساني، بينما أصحاب القرار يتبادلون الخطابات والشعارات، وكأن الدم الفلسطيني مجرد بندٍ في دفتر المناكفات...
بذلك من يحاسب الذين قادوا الناس إلى هذا الجحيم دون حسابات واضحة؟
من يحاسب الذين جعلوا من غزة رهينةً لحروب متكررة لا تنتهي، بينما المواطن البسيط هو من يدفع الثمن من خبزه وبيته ومستقبل أبنائه؟
السياسة التي لا تحمي الإنسان تتحول إلى عبءٍ عليه، والقيادة التي لا تراجع أخطاءها تُراكم المآسي فوق المآسي، حيث ما جرى في غزة لم يكن مجرد جولة ألم عابرة، بل زلزالًا إنسانيًا وسياسيًا كشف هشاشة الواقع الفلسطيني والانقسام الذي أضعف الجميع وترك الناس وحدهم في مواجهة المصير...
علاوة على ذلك غزة اليوم لا تحتاج مزيدًا من الشعارات المرتفعة ولا تبادل الاتهامات، بل تحتاج شجاعة سياسية حقيقية مراجعة، ومحاسبة ورؤية تضع حياة الناس فوق أي حسابات حزبية أو رهانات لم يدفع ثمنها إلا الأبرياء...
فأيُّ انتصار يمكن الحديث عنه أمام طفل فقد أسرته؟
وأيُّ خطابٍ سياسي يُقنع أمًّا ما زالت تبحث عن ابنها بين الأنقاض؟
وأيُّ حساباتٍ تلك التي جعلت شعبًا بأكمله يعيش على حافة الجوع والخوف والموت؟
لقد آن الأوان أن يُقال بصوتٍ عالٍ كفى إدارةً للأزمات على حساب الناس، كفى تحويل غزة إلى صندوق بريدٍ للرسائل السياسية، وكفى ترك شعبٍ بأكمله يدفع ثمن أخطاء لا يملك قرارها...
غزة لا تحتاج خطابات غضب جديدة…
غزة تحتاج قرارًا يوقف الموت، ويعيد للإنسان حقه في الحياة والكرامة، قبل أن يتحول ما تبقى من الأمل إلى ركامٍ آخر فوق ركام المدينة الجريحة...