لأول مرة منذ سنوات طويلة، أصبح تعيين رئيس الاحتياطي الفيدرالي جزءا من الصراع السياسي المباشر داخل واشنطن، وهذا قد يفتح الباب مستقبلا لتراجع صورة الفيدرالي كمؤسسة مستقلة بالكامل.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يطح بجيروم باول بإقالة مباشرة، بل انتهت ولاية باول الرسمية كرئيس لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، وقام ترامب باستبداله وتعيين كيفين وارش رئيساً جديداً للفيدرالي، والذي أدى اليمين الدستورية اليوم الجمعة 22 مايو 2026.
الفيدرالي في عهد باول كان متشددا أكثر من اللازم وهذا ادى الى خلافات حادة مع ترامب دفعته إلى عدم التجديد له، واستبداله فور انتهاء ولايته، إلى جانب عدة أسباب رئيسية أهمها
أسعار الفائدة المرتفعة: رفض باول خفض أسعار الفائدة بالسرعة والحدة التي كان يطلبها ترامب؛ حيث يرى ترامب أن الفائدة المرتفعة تضر بالنمو الاقتصادي وتزيد من تكلفة تمويل الدين الحكومي.
اتهامات بعدم الكفاءة والانحراف: هاجم ترامب باول علناً بشكل متكرر ووصفه بـ"الفاشل" وأنه "دائماً متأخر ومخطئ"، معتبراً أن الفيدرالي في عهده انحرف عن هدفه الأساسي وفقد مصداقيته.
التحقيقات والضغوط القانونية: فتحت إدارة ترامب عبر وزارة العدل تحقيقات جنائية وضغوطاً ضد باول تتعلق بتجاوزات في تكاليف مشروع تجديد مقر الفيدرالي في واشنطن، ورغم إسقاط هذا التحقيق الجنائي مؤخراً، إلا أنه أسهم في تعميق الصدام.
صراع استقلالية البنك المركزي: تمسك باول الشديد بأن استقلالية الفيدرالي "خط أحمر" قوبل برغبة من ترامب في تعيين رئيس جديد (وارش) يتوافق مع رؤيته الاقتصادية الرامية لخفض تكاليف الاقتراض وتحفيز الأسواق.
ورغم تعيين رئيس جديد للفيدرالي، سيبقى جيروم باول عضواً في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي (كمحافظ) ولن يغادر البنك تماماً، في خطوة نادرة لحماية استقلالية المؤسسة المالية حتى انتهاء فترة عضويته القانونية.
تعيين كيفين وارش رئيسا للاحتياطي الفيدرالي من قبل ترامب يحمل دلالات اقتصادية وسياسية عميقة، وليس مجرد تغيير إداري في البنك المركزي الأمريكي، والجملة التي قالها ترامب له: “أريدك أن تكون مستقلا بالكامل” تبدو في ظاهرها رسالة طمأنة للأسواق، لكنها في العمق تعكس حجم الجدل حول استقلالية الفيدرالي بعد سنوات من ضغط ترامب العلني على جيروم باول لخفض الفائدة.
كيفن وارش معروف بأنه أقرب إلى المدرسة المحافظة نقديا، فهو ينتقد التوسع الضخم في طباعة الأموال، ويرى أن التضخم سببه السياسات النقدية والإنفاق الحكومي المفرط، ويدعم تقليص ميزانية الفيدرالي العملاقة، كما ينتقد سياسة “التوجيه المستقبلي” التي كان يستخدمها الفيدرالي لطمأنة الأسواق.
هذا يعني أنه قد لا يكون متساهلا جدا في خفض الفائدة كما يتوقع البعض من مرشح مدعوم من ترامب
وارش يدرك أن أي انطباع بأنه “رجل ترامب داخل الفيدرالي” سيضرب مصداقيته فورا أمام الأسواق العالمية.
فالأسواق قد تستقبل التعيين إيجابيا ولكن بحذر، فهو قريب من وول ستريت و يُنظر إليه كشخص براغماتي أكثر من كونه أيديولوجيا
لكن الخطر الحقيقي هو إذا شعر المستثمرون أن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي تراجعت لصالح البيت الأبيض، فالثقة بالدولار ستصبح مهددة، وقد نشهد ارتفاع عوائد السندات، وزيادة مخاوف التضخم.
و اذا توجه وارش فعلا الى خفض الفائدة كما يريد ترامب، او تبنى سياسة اقل تشددا، فهذا غالبا يعني، ضغط هبوطي على الدولار ودعما للذهب، وارتفاعا في شهية المخاطرة بالأسهم والعملات الرقمية.
أما إذا فاجأ الأسواق بتشدد ضد التضخم، فقد نرى قوة جديدة للدولار، وضغطا على الذهب والأسواق الناشئة.
الرسالة الأخطر عالميا أهم نقطة برأيي ليست شخصية وارش نفسها، بل التحول السياسي الأمريكي تجاه الفيدرالي، وهذا مهم جدا لأن قوة الدولار عالميا لا تعتمد فقط على الاقتصاد الأمريكي، بل أيضا على الثقة بأن السياسة النقدية الأمريكية لا تدار من البيت الأبيض مباشرة.
تعيين وورش قد يكون محاولة لإعادة صياغة الفيدرالي ليصبح أقل تشددا تجاه النمو، وأكثر تشددا تجاه التضخم الناتج عن الإنفاق الحكومي، وأقرب لرؤية ترامب الاقتصادية دون أن يظهر كتابع مباشر له.
لكن نجاحه الحقيقي سيتحدد في أول اختبار هل سيقاوم الضغوط السياسية إذا ارتفع التضخم مجددا، أم سيبدأ بخفض الفائدة لإرضاء البيت الابيض والأسواق.