مثل ذاك “الخلل الفني” الذي أصاب رواتب موظفي غزة عام 2017، حينما تحولت حياة آلاف الأسر إلى وجعٍ يومي، واختُزلت معاناة الناس بعبارةٍ باردة: “خلل فني”!
أي خللٍ ذاك الذي يقتطع لقمة الأبناء؟
أي عطلٍ إداري ذاك الذي جعل المناضلين، الذين أفنوا أعمارهم في ساحات الحركة، يقفون على أبواب البنوك مكسوري الخاطر، يبحثون عن تفسيرٍ لا يأتي؟ يومها لم يكن الخلل تقنيًا، بل كان خللًا في العدالة، في الإحساس بالناس، وفي فهم معنى أن تكون غزة جزءًا أصيلًا من هذا الوطن لا هامشًا يُعاقَب كلما اشتدت الخلافات...
كذلك اليوم يسأل الفتحاويون الغاضبون:
هل انتقل ذلك “الخلل الفني” إلى فتح نفسها؟
هل أصاب مؤسساتها، وقرارها، وعدالتها التنظيمية، حتى بات كثيرون يشعرون أن التاريخ النضالي لم يعد معيارًا، وأن الكفاءة تراجعت أمام حسابات النفوذ والولاء؟
أم أن الطائرات باتت مخطوفة؟
مثلما شعر كثيرون أن غزة خُطفت من حقها السياسي والتنظيمي، تُترك عند الحاجة رقمًا في التصفيق والهتاف، وتُغيَّب حين يحين وقت القرار والتمثيل، غزة التي دفعت من دمها ما يكفي لتكون في قلب المعادلة، لا في ذيل الاهتمام، غزة التي بقيت تُطالب بالإنصاف، بينما تتراكم الأسئلة عن العدالة الغائبة والمعايير المختلة...
كيف لحركةٍ صنعت تاريخًا من التضحيات أن تصل إلى لحظة يسأل فيها أبناؤها لمن القرار؟ ومن يملك حق تحديد من يبقى ومن يُستبعَد؟ وكيف يتحول الخلاف التنظيمي إلى شعورٍ عام بأن المسافة تكبر بين القيادة والقاعدة؟
يا أبو نداء…
فتح ليست مجرد اسمٍ عابر في ذاكرة الفلسطينيين، فتح حكاية شهداء وأسرى ومخيمات وبيوتٍ دفعت أثمانًا باهظة، ولهذا يكون الوجع مضاعفًا حين يشعر أبناؤها أن الحركة التي كانت مساحةً واسعة للجميع، باتت أضيق من أن تتسع لأصوات الغضب والنقد...
ربما السؤال الحقيقي اليوم ليس هل أصاب فتح خلل فني؟
بل: هل هناك مراجعة شجاعة قبل أن يتحول الغضب إلى قطيعة، والخذلان إلى حالة عامة؟
فالحركات الكبرى لا تسقط من ضربة واحدة، بل حين تتراكم الأخطاء ويصبح تبريرها أسهل من الاعتراف بها، وحين يشعر المناضل أن تاريخه لم يعد يشفع له، وأن صوته لم يعد يُسمع...
معلش يا أبو نداء…
الناس لا تزال تسأل، لا شماتةً… بل خوفًا على ما تبقى من صورة حركةٍ كانت يومًا تُشبه الحلم الكبير...