هذا ما حصل! على هامش المؤتمر
نشر بتاريخ: 2026/05/18 (آخر تحديث: 2026/05/18 الساعة: 20:10)

من واقع الحوارات الثنائية والجماعية واللقاءات في أروقة المؤتمر الثامن لحركة "فتح"، والقاعة الرئيسية والساحات الخارجية في مقر المقاطعة في رام الله وأماكن الإقامة، وما ارتبط بها من مشاهدات واتصالات هاتفية عوضًا عن الوجاهية والاستعراضات يمكنني التعرض لجمهور الحركة بشيء من الواقعية التي أكدت تنبؤاتي عام 2021 عندما كتبت كتيب "أفول نجم التنظيم السياسي وافتقاد الرؤية"، وأن "الناس على دين ملوكهم" للأسف! وفق النقاط السريعة التالية

1-ظهر منطق السيطرة المطلقة للتيار المركزي الحاكم بالحركة وهو شيء متوقع وكنت قد حذرت منه مرارًا، فالاستبداد يولّد الخنوع والمركزية المطلقة تولد البغضاء بين الأعضاء وتقديم كشف الحساب للسلطان (للنظر في ورقتنا من سنوات: لماذا لا أحب السلطان ولا منخل الرئيس)

2- تم تقعيد (جعلها قاعدة) فلسفة التقبّل بمنطق الإذعان الكامل والخنوع كصِفة محببة برداء الالتزام والانضباط.

3-محاربة الرأي الآخر أصبحت فضيلة كليّة وموجتها عالية جدًا حتى غطت على أي صوت يهمس همسًا في نقد السلطوية أو الاستبداد او الانقلاش أو غيرها من الظواهر السلبية سواء خارجيًا او داخليًا.

4-سقطت فكرة الضمير الحامي أو القادر بمجموعه الكلي أن يضبط مسار الانحراف الواقع في التنظيمات ومنها "فتح" سواء عن الرؤية البعيدة أو الهدف الجامع أو الوحودية بمعنى الشراكة وفتح آفاق الحوار الجاد والمحترم.

5-تجميل حالة "الجهالة" الى حد الإشادة بالحمقى والأغبياء والجهلاء علنًا بإطلاق صفات النضال والشجاعة والقدوة عليهم! وهم فاقدو الحد الأدنى من المعايير والمواصفات النضالية

6-حركة بلا قانون حركة في طريقها للتلاشي، فلقد ظهرت المؤشرات التي حذرنا منها طويلًا حين يصبح الدوس على النظام الداخلي (القانون) بثقل الحديد ممارسة يُحض عليها.

7-تعملق العقل الوظيفي السلطوي الانتهازي بل شديد الانتهازية وبات الاحتفاء به فضيلة مقابل العقل النضالي فيما كنا ننظّر خارج السرب لثلاثية (الرسالية والنضالية والديمومة).

8- ظهرت التيارات أو لنقل التوجهات في أروقة المؤتمر ما بين التكتلات المختلفة الجديدة والقديمة ولم تتقاطع ألا على قاعدة انتخابية انتهازية وليس ضمن خط فكري أو سياسي أو قيمي أو وطني ما.

9-سقطت كليًا فكرة التنظيم الحامل (الإطار التنظيمي) الذي قد تم إفراغه من مضمونه لسنوات بقتل منطق التعبئة والتثقيف والتربية الداخلية لحساب الولاءات لا الكفاءات، ما حذرنا وعملنا على تلافيه سنينًا بصفر ميزانية مالية من الحركة.

10-سقط التاريخ الفتحوي المجيد في الميزان فأصبحت القامات تُباع وتشترى بالمال أو المناصب أو الولاءات وما كان يسمى بالسابق (الاستزلام) رغم الاختلافات بين المفهومين ما بين الثورية منطلق الولاء وانعدامها، وظهر رأس المال الكريه في حلة جديدة "وطنية" مطرزة بالفساد، بعد أن كان المفهوم أنهم أحذية "مؤقتة" تقطع بهم المخاضة.

11-لا ثقافة ولا تثقيف ولا فكر ولانقاشات عميقة (أقصد خارج القاعة التي لم ترى نقاشًا أصلًا على أي برنامج كما هو معلوم للجميع) ، إلا ما ندر من بضعة كادرات صلبة وحريصة.

12-تم بناء رمزيات جديدة مصطنعة وتم الترويج لها مقابل الرمزيات الحقيقية تلك الملتزمة بثلاثية (الرسالية والنضالية والمثابرة أو الديمومة) وهي تلك التي ترى فلسطين بوصلتها وليس الملك المتوج على رأس أي إدارة أو مؤسسة.

13- لقد تم تغيير البيئة الحاملة للمشروع تلك المتشكلة من الأطر والنقابات والتشكيلات المختلفة من أطر حاضنة للنضال الى حاضنة للعقلية الحرياتية (الليبرالية) الغربية التي تمجد الشخصانية والفردانية والمصلحية الطاغية، وبالحقيقة لقد تم "تخليق" أو صناعة أناس جدد "وظيفيين" منفصلين عن الواقع الجماهيري المزري بل وواقعهم هم المزري ويحلمون بنيل الرضا والنوال لمجرد الاقتراب من السلطان والتنابلة. (للنظر في كتابي الصادر عام 2021 المعنون: "أفول نجم التنظيم السياسي وافتقاد الرؤية)

14-في الكتاب المذكور أشرت من جملة أشياء الى: الصراع على "القمة"، والشخصانية وعبادة الأفراد، وغياب المؤسسية، والتحشيد ضد التثقيف، وتحوّل العضوية إلى تبعية لا فاعلية وأشرت الى اللامبالاة، والانشغال بالتفاهات، والتأثر بالدعاية والإشاعات، وذكرت القيادة المنعزلة عن الناس، والانتهازية، والتبعية مقابل إقصاء الكفاءات بتفضيل المطيع الضعيف الخانع ومؤسسيًا بينت الهياكل المهلهلة، وضعف التواصل الداخلي، وغياب المتابعة، وفقدان الجدية والانضباط، وبينت الحاجة الى القيادة القدوة لأختتم بالقول أن "التنظيم لا يسقط فجأة، بل يأفل تدريجيًا عندما تتحول القضية إلى وسيلة للمكاسب بدل أن تكون هدفًا جامعًا للنضال".

أحببت أن ألخص الموضوع في نقاط -من واقع مشاهداتي والحوارات- لأن الحال العام خارج الحركة وبالمنطقة العربية ككل مزري حيث أن القراءة العميقة مغتصبة ولا أحد يشجع عليها وهو حال انتشار "فقاعة المعلومات" أو الترشيح الحاصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، و"تعفن الدماغ" واللجوء للتمرير السريع وإدمان مقاطع المرئي في الشابكة (انترنت) على حساب الفكر والثقافة والكتاب والعلم.

في الخاتمة أقول أن أي تنظيم بهذه المواصفات المُكرِبة (من الكرب) ال14 لن يستطيع أن يحمل على أكتافه الأعباء الثقال للمرحلة القادمة في ظل وعورة الطريق وكثرة الحفر، والرِدّة الداخلية، والذي يحتاج لقرارات شجاعة وجريئة وروح متجددة وثابة خاصة لمن يفهم معنى الموقع أمانة ومسؤولية ثقيلة.

أهنيء كل من يتسلم دفة القيادة بالإطارين أعانهم الله ووفقهم، ولأشير في ملمح أمل لوجود بضعة أشخاص في المركزية ممن نعتز بهم ويمتلكون أكتافًا صلبة قد تحمل المرحلة وتقطع المفازة، لكن تغيير القيم والمباديء والبنية الحاملة مما سبق وذكرناه سيكون إن تواصل وبالًا على الحركة الوطنية الفلسطينية وبلا شك إيذانًا بسقوط التنظيم عامة.

لست معنيًا هنا بنقد الأفراد ما لا يجوز نقدهم بذواتهم إنما بنقد مواقفهم والآراء ففيهم الطالح الواضح، ومنهم الأعلام! ومنهم الصالح المتواضع، وإنما أنا معنى في هذه العجالة بنقد الظاهرة التي شمخت مرعبة، ولطالما رددت في شعاري الأثير أن "الله غايتنا وفلسطين بوصلتنا وعبر المركب أو القناة التي مازالت صالحة لتحرير فلسطين حتى الآن وهي حركة فتح" لا لشيء إلا لأنه لم يظهر حتى الآن من يستطيع أن يتقدم عليها رغم كل عيوبها الكثيرة بانتظار الإصلاح الداخلي العميق، أو ظهور نجم جديد لا سيما أن الجماهير دومًا تتقدم على قياداتها كما كان يردد الخالد ياسر عرفات. وانها لثورة حتى النصر بإذن الله.