هل ترد إيران بإجراء التجربة النووية؟!
نشر بتاريخ: 2026/05/15 (آخر تحديث: 2026/05/15 الساعة: 18:58)

لو كانت إسرائيل وأميركا قد حققتا ما قالتا إنهما حققتاه من تدمير كامل للبرنامج النووي الإيراني بعد حرب الإثني عشر يوماً التي شنتاها على إيران في حزيران من العام الماضي، لما أقدمتا على شن حرب أخرى، خلال هذا العام.

ومن يعود للتصريحات التي أعقبت الحرب في كلا الدولتين وفي الحالتين، سيقرأ أنهما تحدثتا في المرة الأولى من خلال عملية «مطرقة منتصف الليل» كما سماها ترامب، وفق فيلمه الهوليوودي، عن تدمير كامل للمنشآت النووية، بحيث لم تعد إيران قادرة على امتلاك السلاح النووي، لو أرادت، خلال سنوات عديدة قادمة، أما خلال عملية «زئير الأسد» أو «الغضب الملحمي»، فكل الدنيا سمعت منه عن تدمير ما نسبته من 90 - 95% من قدرات إيران البحرية والصاروخية، إضافة إلى استباحة الأجواء الإيرانية بالكامل، ليس ذلك وحسب، بل وحتى هذه اللحظة يقول ترامب إنه سحق القيادة الإيرانية حتى المستوى الرابع، بعد أن تم القضاء على 3 طبقات من القيادة الإيرانية.

حسناً، لماذا إذاً ما زلت تسعى إلى تجديد الحرب، أو التهديد بها، وأنت تفاوض، بل وبعد أن طلبت وقفاً لإطلاق النار، ولم يسبق لأي قائد عسكري أن خاض حرباً، وادعى أنه قد ألحق الهزيمة العسكرية بعدوه، ثم سعى لوقف إطلاق النار، أو خاض تفاوضاً مضنياً، ما بين مقترحات وردود، والقادة العسكريون عادة لا يتحدثون للإعلام وهم يخوضون الحرب، لكن لأن ترامب ليس رجلاً عسكرياً ولا نتنياهو كذلك، فإنهما يقولان ما لم يقله القادة العسكريون، فيكذبون بشأن الحرب، ليس فقط لجانب أنهما قد عادا إليها، بعد العملية الأولى، بدرجة أعلى، تمثلت في أمرين، الأول أن الحرب الأولى استمرت اثني عشر يوماً، خاضتها إسرائيل وحدها، وشاركتها أميركا في اليوم الأخير، لحسم الحرب، والثانية استمرت وقتاً أطول، وهو أربعون يوماً، وخاضتها أميركا منذ اليوم الأول، وفي هذه المرة، لم تقتصر الحرب على طرفيها، أميركا وإسرائيل من جهة وإيران وحزب الله من جهة أخرى، بل شملت النار الخليج العربي، مع العراق والأردن بسبب وجود القواعد العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، ثم مست العالم بأسره، حين تحولت لحرب اقتصادية بالضغط عبر ورقة مضيق هرمز.

لن نتحدث هنا عن تفاصيل الحرب، التي رغم ما أحدثته من دمار وضحايا على الجانبين، وفي الشرق الأوسط بأسره، بل وعلى العالم بأسره اقتصادياً، لكننا سنتناول نقطتين جوهريتين، (بعد كل ما طرح من مطالبات، يبدو أنها كانت لأسباب تفاوضية، حسمت كثيراً منها حقيقة الوضع الميداني، نقصد بند الصواريخ البالستية، وحلفاء إيران، وطائراتها المسيرة، وحتى علاقتها بالصين، فيما يخص تصدير النفط الإيراني للدولة الخصم الاقتصادي الكبير لأميركا)، النقطة الأولى هي التراجع الأميركي بحزمة المطالب، والتمسك بالبند النووي، حيث يمني ترامب نفسه الظفر بأربعمائة وأربعين كيلو غراماً من اليورانيوم المخصب إلى نسبة 60%، وهو قد خرج من فنزويلا التي يعتبرها إنجازه الأهم حتى الآن منذ أن دخل البيت الأبيض قبل عام ونصف، بثلاثة عشر ونصف كيلو غرام يورانيوم مخصب إلى نسبة أقل من اليورانيوم الإيراني، وهذه ثروة اقتصادية بالطبع، فأميركا التي واجهت عجزاً تجارياً بلغ 1،2 تريليون دولار مقابل نمو صيني بلغ 1،3 تريليون دولار العام الماضي 2025، باتت مثل الغريق الذي يتشبث بقشة المواد الثمينة للبقاء منافساً في حلبة الاقتصاد العالمي.

أما إيران، ورغم تعدد مطالبها من وقف الحرب مع ضمانة دولية، وتعويضات أميركية عما لحق بها من خسائر جراء الحرب العدوانية التي شنت عليها، ومن خروج أميركي متمثلاً في القواعد العسكرية من الشرق الأوسط، إلى الإفراج عن أموالها المحتجزة منذ عام 1979 في البنوك الأميركية، إلى إلغاء العقوبات الاقتصادية ليس الأميركية وحسب، بل الدولية والأوروبية منها كذلك، باتت تتشبث بمضيق هرمز، الذي تعتبره «قنبلتها النووية» التي حسمت حالة الردع لصالحها، ثم بدأت ترى فيها ورقة اقتصادية، تعوضها عن الأموال المحتجزة، بل وتعوضها حتى عن العقوبات، وموقف إيران هنا أقوى، ويتضح ذلك من خلال المقترحات الأميركية، المرفقة بالتهديد، بأن يكون الرد خلال فترة وجيزة، وإلا فالبديل هو تجديد حرب، وفق تعابير يطلقها ترامب كما لو كان «تنينا»، وهو حيوان خرافي أصلاً، يطلق النار ككرات لهب من فمه!

النقطة الثانية هي أن أميركا تتقدم بمقترحات للحل، مع تهديدات بسرعة الرد، لأن عامل الوقت ضاغط عليها، مع استمرار صعود سعر النفط، في ظل إغلاق مضيق هرمز في وجه ناقلات النفط المرتبطة بأميركا وإسرائيل، أو كل تلك التي لا تدخل مسار إدارة إيران المستحدثة خلال الحرب لمضيق هرمز، وللدلالة على أهمية هرمز، استذكر الإيرانيون ما قاله المرشد، مجتبى خامنئي في 12 آذار الماضي، من أن إيران ستحصل على تعويضات الحرب عبر أحد الخيارات الثلاثة، إما بشكل مباشر تدفعها أميركا، أو من خلال الاستيلاء على ممتلكات العدو (ربما المقصود، القواعد العسكرية أو في الشركات الأميركية في الخليج، أو رسوم مضيق هرمز، أو أي منها يكون أولاً أو ممكن التحقق) أو عبر تدمير ممتلكات العدو، بما يعادل قيمة التعويضات.

وكان ذلك الإعلان من المرشد الجديد بعد أربعة أيام فقط من اختياره في المنصب الأعلى خلفاً لأبيه الراحل، وإذا كانت الحرب بشكل عام هي تعبير عن الصراع السياسي، الذي هو تعبير بدوره عن تنافس اقتصادي أو صراع اقتصادي مكثف، كما كان يقول فلاسفة الاقتصاد والعلوم السياسية، فإن اليورانيوم الإيراني، فضلاً عن انطوائه على قوة الردع العظمى، فهو طاقة تنموية هائلة، أي قوة تنافس اقتصادي عظيمة، ولهذا أفشلت إسرائيل اتفاق 5+1، ولا ترضى بخضوع برنامج إيران للتفتيش الدولي، أي لا تكتفي بالضمانات الدولية بعدم امتلاك إيران للسلاح النووي، حتى في ظل فتوى المرشد الراحل، لأنها تسعى للهيمنة على الشرق الأوسط عسكرياً واقتصادياً أيضاً، بعد أن رأت أن القوة الاقتصادية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية، ولعل درس انهيار الاتحاد السوفياتي بسبب المشاكل الاقتصادية، بكل ما كان عليه من جبروت قوة عسكرية، ما زال ماثلاً، مع ذلك فإنه لا يمكن غض النظر أو إهمال البعد العسكري الخاص باليورانيوم المخصب، وذلك بالنظر إلى أن هناك أمرين لا بد من التفكير بهما جيداً، الأول هو أن فتوى المرشد الراحل علي خامنئي لم تعد قائمة، بغض النظر عما إذا كانت أصلاً حقيقية، أو كانت تهدف إلى خداع الخصم، فالمرشد نفسه لم يعد على قيد الحياة، ولم يعلن المرشد الجديد عن تجديد الفتوى، وإيران ربما تسير على نهج الغموض النووي، الذي سارت عليه إسرائيل من قبل.

فإيران لن تعلن على الأغلب لا عن تجديد فتوى تحريم امتلاك السلاح النووي، ولا عن إلغائه، وقد بات بعض المحللين المقربين منها يقولون صراحة إن الفتوى لم تعد قائمة، لكن ذلك لا يعني بدء العمل على إنتاج السلاح النووي، لكن ذلك ممكن على أي حال، فالاستخبارات الإسرائيلية، وحتى السي أي إيه كثيراً ما أعلنتا عن فترة ليست طويلة تفصل إيران عن لحظة القدرة على صنع السلاح النووي، بعضها أشار هذا العام 2026 إلى 12 يوماً فقط، وبالنظر على الأقل إلى لحظة شن الحرب قبل عام تقريباً، فإن كثيراً من التقديرات كانت تشير إلى أقل من هذا الوقت، بهذا فلو أن إيران بدأت صنع السلاح النووي منذ تلك الحرب، أو حتى منذ اغتيال المرشد الراحل علي خامنئي، فقد تكون امتلكت السلاح النووي أو على وشك امتلاكه، والتقديرات تشير إلى قدرتها على صنع أكثر من عشر قنابل نووية، فهي تمتلك 440 كلغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% مع وجود نحو مئة ألف عالم نووي يعملون في برنامجها النووي، وقد سبق لترامب أن هدد باستخدام النووي، حين كان يتحدث عن محو الحضارة الإيرانية وإعادتها للعصر الحجري، والآن إيران تهدد برفع نسبة التخصيب إلى 90%.

قد يكون هذا إعلاناً رادعاً للعودة للحرب، بينما إعلان إجراء تجارب نووية ناجحة، قد يكون رادعاً للحرب في حال اندلاعها، وذلك لتحقيق مهمة الردع النهائي، وبما يمكن إيران من امتلاك الورقة التي تضع سلاحها النووي مقابل نووي إسرائيل، وتجعل منها دولة عالمية، والسلاح النووي هو ما ينقص إيران وكل دول الشرق الأوسط في مواجهة إسرائيل، بعد أن ردعت الصواريخ والمسيرات سلاح الجو بما فيه طائرات الشبح، وإسرائيل تبقي سلاحها النووي كخيار أخير في حال تعرضت لخطر التدمير التام، أما بالنسبة لإيران فهو ورقة تسحب من يدي إسرائيل سلاح الردع الأخير.