انتخابات المؤتمر الثامن لحركة فتح… قطارٌ متوقف يُدار فيه الصراع على المقاعد
نشر بتاريخ: 2026/05/13 (آخر تحديث: 2026/05/13 الساعة: 18:31)

تبدو انتخابات المؤتمر الثامن لحركة فتح، في ظل الانقسام الفلسطيني الممتد منذ عام 2007، وكأنها تدور داخل قطارٍ سياسي كبير، لكنه متوقف منذ زمن طويل. قطارٌ ما زال الجميع يتحدث عنه كما لو أنه في حالة سير، بينما الحقيقة أن عجلاته ثابتة على السكة، ومحركه معطّل، والوجهة معلّقة بين محطة وأخرى لم تُحسم ملامحها منذ سنوات.

في هذا القطار، لا يبدو أن السؤال المطروح هو إلى أين نتجه، بل من يجلس في العربة الأولى، ومن يحصل على مقعد أقرب إلى النافذة، ومن يُدفع إلى الخلف في ترتيب المقاعد. يتحول النقاش السياسي إلى سباق داخلي على المواقع، بينما القطار نفسه لا يغادر مكانه، وكأن الزمن الفلسطيني كله يُدار داخل عربة مغلقة تُعيد إنتاج المشهد ذاته دون حركة، وكأننا لا نُدير مشروعًا وطنيًا بقدر ما نُدير محطة انتظار طويلة بلا قطار يسير.

المفارقة أن القطار، منذ لحظة الانقسام، فقد بوصلته الجامعة، وأصبح يتحرك في الخطاب أكثر مما يتحرك في الواقع. تتبدل الوجوه داخل العربات، وتُعاد صياغة التوازنات التنظيمية، لكن السكة نفسها لم تتغير، والمحطة النهائية ما زالت غائبة عن تعريف وطني جامع يحدد بوضوح معنى الوصول وشرطه.

إن الإشكال ليس في من يتقدم إلى الواجهة أو يتأخر، بل في غياب اتفاق وطني واضح على وجهة الرحلة ذاتها. فقبل أن نناقش من يقود القطار، لا بد أن نعرف أولًا: هل القطار متجه فعلًا نحو محطة التحرر الوطني، أم أنه يدور داخل حلقة مغلقة تعيد إنتاج اللحظة نفسها منذ أكثر من عقد ونصف؟

وحين يُختزل المشروع الوطني في ترتيب المقاعد داخل عربة متوقفة، تصبح السياسة أقرب إلى إدارة ازدحام داخلي منها إلى قيادة مسار تحرري. فالقضية لا تُحسم بتبديل مواقع الجلوس، بل بإعادة تشغيل المحرك السياسي، وإعادة تعريف الاتجاه، واستعادة القدرة على السير نحو هدف واضح: إنهاء الاحتلال، وتجسيد الدولة المستقلة، وتثبيت حق العودة كجوهر لا كشعار.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال أن تحريك هذا القطار الفلسطيني لا يرتبط فقط بالعوامل الداخلية، بل أيضًا بطبيعة الدورين الإقليمي والدولي. فالعرب، بما يملكونه من ثقل سياسي وجغرافي، والغرب، بما يمتلكه من تأثير دبلوماسي ومالي، قادرون – إذا أعيد توظيف أدوارهم – على الانتقال من إدارة الأزمة إلى الدفع نحو حل حقيقي. لكن الإشكال يبقى في استمرار اشتراط “رخصة الحركة” الأمريكية–الإسرائيلية لأي مسار سياسي، وكأن القرار الفلسطيني لا يتحرك إلا بإذن مسبق، وهو ما يُبقي القطار في حالة تعطيل دائم مهما تبدلت العناوين.

لكن الأخطر من كل ذلك أن هذا القطار لا يبدو متوقفًا فقط، بل يُدار وهو متوقف؛ تُعاد فيه هندسة المقاعد، وتُوزع فيه الأدوار، ويُصنع فيه خطاب الحركة داخل عربة لا تغادر مكانها، فيتحول الجمود إلى نظام إدارة، لا إلى أزمة مؤقتة. وهنا تتضاعف الإشكالية: لأن التوقف لم يعد لحظة انتظار، بل أصبح شكلًا ثابتًا للحركة السياسية نفسها.

ما لم يُحسم سؤال الاتجاه، وسيادة القرار، وكسر منطق الإذن المسبق، سيبقى الجدل يدور داخل القطار ذاته، وسيظل الركاب منشغلين بمواقعهم، بينما السكة تمتد إلى الأمام دون أن يجرؤ أحد على تحريك العجلات. وفي هذه الحالة، لا يهم من يجلس في المقدمة أو في الخلف، لأن القطار ببساطة ما زال متوقفًا، يُدار وهو متوقف، وينتظر لحظة قرار حقيقية تعيده إلى الحركة، لا مجرد إعادة توزيع المقاعد داخله.