ماذا تريد غزة من المؤتمر الثامن..؟
نشر بتاريخ: 2026/05/09 (آخر تحديث: 2026/05/09 الساعة: 21:53)

في غزة، لم تعد الناس تنتظر من فتح بياناتٍ سياسية جديدة، ولا خطابات مطولة عن التعقيدات الإقليمية وموازين القوى. ولا يهمها التحالفات الانتخابية

الناس تريد شيئًا أكثر بساطة وأكثر وجعًا:

أن تشعر أن هناك من يراها أصلًا.

القواعد التنظيمية تنظر إلى المؤتمر بوصفه فرصة أخيرة لإنقاذ الفكرة الوطنية الفلسطينية من الشيخوخة السياسية، لا كموسم لتوزيع الغنائم والاستحواذ على المناصب وإعادة إنتاج نفس الطبقة التنظيمية التي تتحدث كثيرًا عن التضحية بينما تدافع بشراسة عن مقاعدها أكثر مما تدافع عن الناس.

الناس لا تريد معجزة. تريد فقط أن ترى أن فتح ما زالت تعرف من هو خصمها الحقيقي.

تريد فتح التي تواجه مشروع الاحتلال، لا فتح المنشغلة بإدارة خصوماتها الداخلية وتقاريرها الكيدية الصغيرة.

تريد قيادة تُرى في الميدان، لا وجوهًا شاخت خلف المكاتب حتى صار ظهورها يشبه الأرشيف أكثر من الحاضر.

يريد الناس من فتح أن تحل مصيرهم المعلق بين متاهة السياسة وضبابية المشهد، لا أن تضيف إلى حياتهم طبقة جديدة من الانتظار.

يريدون من يقول لهم إلى أين يذهب هذا الخراب كله، ومتى يصبح الفلسطيني إنسانًا لا ملفًا مؤجلًا على طاولة الاجتماعات.

في غزة، الناس لا تعيش أزمة سياسية فقط، بل تعيش انهيارًا يوميًا للكرامة الإنسانية.

هناك عائلات تنام في العراء، وأطفال أكلت الحشرات جلودهم، وأمهات يخفن من الليل لأن الفئران تختبئ تحت الوسائد وبين الأغطية الممزقة.

وهناك بشر صار الغلاء بالنسبة لهم شكلًا آخر من أشكال الحصار، حتى بات الطعام نفسه يحتاج إلى "واسطة وطنية".

وفي وسط هذا كله، يخرج بعض القادة ليتحدثوا عن الانتخابات وكأن الناس تنتظر نتائج الفرز، بينما الناس أصلًا تبحث عمّن يفرزها من الجوع والخوف والبرد والخذلان.

غزة لا تريد من فتح أن تكون حزبًا يتقن إدارة البيانات.

غزة تريد فتح التي تُطعم، وتُغيث، وتحمي، وتضغط، وتشتبك سياسيًا من أجل الناس لا من أجل حصص النفوذ.

تريد فتح التي تشعر أن للفقراء حقًا عليها، وأن للكادر المكسور حقًا عليها، وأن للنازحين والمنسيين والمقموعين حقًا عليها.

لأن الحقيقة القاسية هي أن غزة دفعت من دمها وبيوتها وأعصابها ما يكفي كي يكون لها دينٌ ثقيل في عنق الجميع، وفتح قبل غيرها.

فإذا كانت الحركة ما تزال تعتبر نفسها رائدة المشروع الوطني الفلسطيني، فإن حتمية المنطق والأخلاق والتاريخ تفرض عليها أن تسترد حقوق الناس، لا أن تتصرف وكأن معاناتهم مجرد تفصيل جانبي في معركة المواقع التنظيمية.

الناس لا تريد قيادة تحفظ أسماء أعضاء اللجنة المركزية بقدر ما تريد قيادة تحفظ أسماء الشهداء والنازحين والمفقودين والجائعين.

لا تريد وجوهًا تتقن الخطابة بقدر ما تريد رجالًا ونساءً يملكون شجاعة النزول إلى الناس، واحتمال وجعهم، والاعتراف بفشل السنوات الماضية دون مكابرة.

فالحركات الوطنية تسقط حين يعتلي صهوتها أشخاص يرون أنفسهم بحجم الوطن، تسقط حين يشعر الناس أنها لم تعد تشبههم، ولم تعد تسمع صرخاتهم، ولم تعد تعتبر آلامهم أولوية سياسية وأخلاقية.

وغزة اليوم تصرخ بصوت واضح:

إما أن تعود فتح إلى الناس… أو ستبقى تدور داخل نفسها بينما الوطن يتآكل من أطرافه.