لعبة شيطانية من المطبخ الفني للمؤتمر الثامن لحركة حركة فتح
نشر بتاريخ: 2026/05/09 (آخر تحديث: 2026/05/09 الساعة: 04:07)

يبدو أن ما جرى في ترتيبات المؤتمر الثامن لحركة فتح لا يمكن قراءته باعتباره تفصيلاً تنظيمياً عادياً، بل خطوة سياسية تحمل في طياتها رسائل متشابكة وأهدافاً تتجاوز حدود التنظيم الداخلي، خاصة بعد إدراج أسماء محسوبة على لجنة التكنوقراط، من بينها الدكتور علي شعت، ضمن عضوية المؤتمر.

هذا التداخل بين الإطار الحزبي والعمل التكنوقراطي فتح الباب أمام تساؤلات حساسة حول حدود الفصل بين السياسي والتنفيذي، وحول ما إذا كان يجري إعادة تعريف مفهوم “التكنوقراط” ليصبح جزءاً من البنية التنظيمية لفتح، بدلاً من كونه إطاراً مهنياً مستقلاً لإدارة مرحلة فلسطينية شديدة التعقيد.

ووفق ما نقلته صحيفة الشرق الأوسط، فإن موقف لجنة التكنوقراط الرافض للزج باسم الدكتور علي شعت في عضوية المؤتمر جاء بطلب من الممثل الأعلى لغزة في “مجلس السلام” نيكولاي ملادينوف، وبعد مراجعات مباشرة مع الدكتور علي شعت. كما ورد اسم الدكتور شعت إلى جانب مسؤول الملف الأمني في اللجنة سامي نسمان، ونائبه نعيم أبو حسنين، الذي يُتوقع أن يتولى مهام أمنية ضمن لجنة إدارة غزة.

لهذا جاء البيان المفاجئ الصادر عن اللجنة ليؤكد أن طبيعة عملها مهنية وليست حزبية، وأنها لا تنتمي تنظيمياً لأي فصيل فلسطيني، مشدداً على أن الخلفيات الحركية أو الأمنية السابقة لبعض أعضائها لا تؤثر على التفويض المهني الممنوح لهم لإدارة الملفات الخدمية والإدارية.

لكن خلف هذا البيان تكمن أزمة أعمق تتعلق بحالة التخبط التي تعيشها السلطة الوطنية وحركة فتح في هذه المرحلة. فالمشهد الفلسطيني، بصورته الحالية، يمنح حكومة الاحتلال بقيادة بنيامين نتنياهو مساحة واسعة لاستثمار الانقسام والارتباك السياسي. فما الذي يمكن أن يريده نتنياهو أكثر من واقع فلسطيني مرتبك، تتداخل فيه الصلاحيات، وتتصارع داخله المرجعيات، وتُستنزف طاقاته في صراعات داخلية تخدم الاحتلال بكل تفاصيله؟

إن أزمة فتح والسلطة في عهد محمود عباس لم تعد مرتبطة فقط بتراجع المشروع السياسي، بل بحالة التآكل التنظيمي وفقدان البوصلة الوطنية لدى كثير من مراكز القرار. لذلك، فإن نقد السلطة وفتح لم يعد مسارين منفصلين، بل وجهين لأزمة واحدة تُحرج حتى الأطر المهنية التي يُفترض أن تبقى بعيدة عن الاصطفافات.

الأخطر من ذلك، أن بعض الأصوات الفتحاوية هاجمت بيان لجنة التكنوقراط واعتبرته “تنصلاً” من الانتماء الحركي، فيما طالب آخرون بسحب عضويات بعض الشخصيات المرتبطة بلجنة إدارة غزة. وهنا يبرز السؤال المؤلم: هل كان المطبخ التنظيمي للمؤتمر الثامن حريصاً فعلاً على إنصاف الدكتور علي شعت ومنحه عضوية مستحقة؟ أم أن ما جرى كان لعبة سياسية شيطانية تهدف إلى الزج باللجنة في دائرة الإحراج والتشكيك وضرب صورتها أمام الداخل والخارج؟

في السياسة الفلسطينية، لا تبدو التفاصيل بريئة دائماً، فبعض الأسماء قد تتحول إلى رسائل، وبعض القرارات قد تُستخدم كأدوات صراع أكثر من كونها خطوات تنظيمية. وبين الحسابات الحركية والمصالح الإقليمية، يبقى الشعب الفلسطيني هو الطرف الذي يدفع ثمن هذا العبث السياسي المفتوح.