في غزة لم يعد الخوف حدثًا عابرًا، بل صار نمط حياة، لا ينتظر الناس صافرات الإنذار فقط، بل ينتظرون ما هو أبعد من ذلك… ينتظرون المجهول الذي يسكن كل زاوية، وكل بيت، وكل ليلة بلا نوم...
علاوة على ذلك غزة اليوم ليست فقط تحت تهديد الحرب، بل تحت حصار الحياة نفسها، شبح القصف لا يغيب، لكنه لم يعد العدو الوحيد... فبين الركام خرجت معاناة أخرى أكثر قسوة، أكثر صمتًا، وأكثر إذلالًا معركة البقاء...
لذلك حين تنقطع الكهرباء، وتغيب المياه، وتتكدس النفايات، لا يعود الحديث عن كرامة أو رفاهية، تتحول البيوت إلى بيئات طاردة للحياة، وتتحول الأزقة إلى مساحات مفتوحة للقوارض والفئران، وكأنها تشارك الناس في ما تبقى من وطن محاصر، هنا لا يهرب الإنسان من الموت فقط، بل يحاول أن يحافظ على ما تبقى من إنسانيته...
في غزة الأم لا تخاف فقط على أطفالها من صاروخ، بل من مرض، من جوع، من بيئة تنهار حولهم ببطء، والأب لا يقلقه فقط فقدان العمل، بل فقدان القدرة على حماية أسرته من تفاصيل الحياة الصغيرة التي تحولت إلى كوابيس كبيرة...
لربما إنها مفارقة قاسية… أن يعيش الإنسان بين احتمال الموت السريع، وواقع الموت البطيء، بين حرب قد تعود في أي لحظة، وحياة لا ترحم في كل لحظة...
ومع ذلك لا تزال غزة تقاوم… ليس بالشعارات، بل بالصمود اليومي، بصبر الأمهات، بعناد الأطفال، وبإصرار الناس على أن يعيشوا، رغم كل ما يدفعهم نحو الانكسار...
لذلك غزة اليوم لا تحتاج فقط إلى وقف حرب، بل إلى استعادة معنى الحياة، لأن الكارثة الحقيقية ليست فقط في القذائف التي تسقط، بل في العالم الذي اعتاد هذا المشهد… وصمت...