اسمه المنزلق الثامن...
نشر بتاريخ: 2026/05/04 (آخر تحديث: 2026/05/04 الساعة: 20:31)

تبدو أزمة فتح هنا أقلّ بوصفها خللًا انتخابيًا تقنيًا، وأكثر باعتبارها تعبيرًا عن مأزق بنيوي في فهم العلاقة بين التنظيم والتمثيل السياسي. فحين تتحول الانتخابات الداخلية إلى آلية لإعادة إنتاج التوازنات القديمة بدل أن تكون أداة لإعادة بناء الشرعية التنظيمية، يصبح اختيار القوائم المقدسة نفسه جزءًا من المشكلة لا من الحل.

في هذا السياق، يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالًا من منطق التنظيم الذي بُني على حيوية وتنوعاً إلى منطق التنظيم المُدار بالرموز والعجائز. أي أن الفعل التنظيمي والنضالي لم يعد يُقاس بقدرته على إنتاج قيادات جديدة أو تجديد أدوات الفعل، بل بقدرته على إعادة توزيع شرعية الاعتراف داخل نفس الدائرة المغلقة من الوجوه. وهنا تصبح القوائم الانتخابية مساحة تفاوض بين مراكز نفوذ تقليدية، لا مساحة لاختيار تمثيل يعكس التحولات الاجتماعية داخل القاعدة.

أحد أبرز مظاهر هذا الاختلال هو ما يمكن تسميته بـتفصيل الأصوات الناخبة على المقاس. فبدل أن تُبنى القوائم على معايير واضحة مثل الكفاءة التنظيمية، القدرة التمثيلية، التجربة النضالية، أو الحضور المجتمعي، او النزاهة، يتم تشكيلها وفق حسابات وتوازنات داخلية دقيقة: مناطق النفوذ، الولاءات الشخصية، الاعتبارات التاريخية، واستحداث عضويات لكوتة انتخابية بعينها، وأحيانًا منطق الترضية أكثر من منطق الاستحقاق. هذا النمط يُنتج قوائم لا تعكس الحيوية الحقيقية للقاعدة، بل تعكس هندسة داخلية لضبط النتائج مسبقًا.

النتيجة الطبيعية لهذا النهج هي إضعاف الطبقات التنظيمية الصاعدة، خصوصًا الشباب والكفاءات التي راكمت خبرة ميدانية أو سياسية، لكنها لا تمتلك أدوات النفوذ داخل مراكز القرار. فبدل أن تتحول التجربة النضالية أو المهنية إلى رأسمال سياسي، تُهمّش لصالح منطق الأقدمية الشكلية أو الرمزية، أو لصالح شخصيات مجرّبة وفاشلة وانتهازية بالمعنى الإداري والأخلاقي، حتى لو فقدت فعاليتها السياسية أو صلتها بالتحولات الاجتماعية. وعمليا، شخصيات بلا رصيد تنظيمي او شعبي حقيقي.

الأخطر في هذا المسار ليس فقط إعادة تدوير الوجوه، بل ترسيخ ثقافة سياسية تجعل التجديد يبدو كأنه تهديد للاستقرار الداخلي، لا شرطًا لاستمراره. وهكذا يُعاد إنتاج نفس الخط السياسي، حتى عندما تتغير السياقات، لأن آلية الاختيار نفسها لا تسمح بدخول عناصر قادرة على إحداث انزياح في الرؤية أو الأسلوب.

في المحصلة، تصبح الأزمة مزدوجة: أزمة تمثيل وأزمة إنتاج قيادة. أزمة تمثيل لأن القوائم لا تعكس فعليًا تنوع القاعدة وحيويتها، وأزمة قيادة لأن النظام الداخلي يعيد إنتاج نفس النمط من النخب والعجائز والفشلة والانتهازيين والقيادات الهشة مما يؤدي إلى تآكل تدريجي في القدرة على التجدد والاستجابة للتحولات السياسية والاجتماعية.

من دون مراجعة جذرية لمنطق تشكيل القوائم—من منطق التوازنات إلى منطق المعايير—سيبقى الإصلاح أقرب إلى إعادة ترتيب وضعية صحون مكسرة في مطبخ آيل للسقوط ، لا إلى إعادة بناء حقيقية للشرعية والفعالية التنظيمية.