اليوم العالمي لحرية الصحافة… حين تصبح الكاميرا هدفًا
نشر بتاريخ: 2026/05/03 (آخر تحديث: 2026/05/03 الساعة: 17:14)

في الثالث من أيار من كل عام، يحتفل العالم بـ اليوم العالمي لحرية الصحافة، بوصفه مناسبة لتأكيد حق الصحفيين في العمل بحرية وأمان. غير أن هذا اليوم في فلسطين لا يأتي كاحتفال، بل كمرآة دامية تعكس واقعًا قاسيًا يعيشه الصحفيون الذين تحوّلوا من ناقلي خبر إلى ضحايا له.

في فلسطين، لم تعد الصحافة مجرد مهنة، بل أصبحت مخاطرة يومية قد تنتهي بالاستهداف المباشر أو الاعتقال أو حتى الاستشهاد. فمنذ بدء العدوان على قطاع غزة في أكتوبر 2023، سُجلت أرقام صادمة؛ إذ قُتل أكثر من 210 صحفيين فلسطينيين وفق تقارير رسمية، بينما تشير تقديرات أخرى إلى ارتفاع العدد إلى نحو 260 صحفيًا، غالبيتهم استُهدفوا أثناء أداء عملهم الإعلامي . هذه الأرقام تجعل فلسطين واحدة من أخطر البيئات الصحفية في العالم.

ولا يقتصر الاستهداف على القتل، بل يمتد إلى الاعتقال والتضييق الممنهج. فقد وثّقت نقابة الصحفيين عشرات حالات الاعتقال خلال عام 2025، حيث بلغ عددها نحو 42–44 حالة، شملت اعتقالات ميدانية وإدارية واستدعاءات متكررة. وفي عام 2026 وحده، سُجلت أكثر من 22 حالة اعتقال جديدة في صفوف الصحفيين، في مؤشر واضح على سياسة مستمرة تهدف إلى تغييب الصوت الإعلامي الفلسطيني.

هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن سعي الاحتلال إلى السيطرة على الرواية. فالصحفي الفلسطيني لا يُستهدف لذاته فقط، بل لأنه يحمل الكاميرا التي توثّق الحقيقة، والقلم الذي يروي معاناة شعبه. لذلك، تترافق عمليات القتل والاعتقال مع استهداف المؤسسات الإعلامية، حيث تم تدمير عشرات المقرات الصحفية ووسائل الإعلام، في محاولة لخلق فراغ إعلامي يطمس الرواية الفلسطينية ويحدّ من وصولها إلى العالم.

كما تتجلى هذه السياسة في التضييق على المحتوى الرقمي، ومنع التغطية، واتهام الصحفيين بالتحريض أو الانتماء، في محاولة لنزع الحماية القانونية عنهم. وفي كثير من الحالات، يُحتجز الصحفيون دون تهم واضحة ضمن ما يُعرف بالاعتقال الإداري، في انتهاك صريح لحرية التعبير والمعايير الدولية .

ورغم هذا الواقع القاسي، يواصل الصحفي الفلسطيني أداء رسالته، مدفوعًا بإيمان عميق بأن نقل الحقيقة واجب وطني وإنساني. فكل صورة تُلتقط، وكل تقرير يُكتب، هو محاولة لكسر الصمت، وحماية الذاكرة، ومواجهة محاولات الطمس والتشويه.

في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يطلب الصحفي الفلسطيني امتيازًا، بل حقًا أساسيًا: أن يعمل دون أن يكون هدفًا. وبينما يحتفي العالم بحرية الإعلام، يكتب الصحفيون في فلسطين حكاية أخرى… حكاية تُسطر بالدم، وتُروى للعالم رغم كل محاولات الإخفاء.