أميركا تنتقل بالحرب من الجو إلى البحر
نشر بتاريخ: 2026/04/24 (آخر تحديث: 2026/04/24 الساعة: 16:05)

اضطرت واشنطن إلى إلغاء رحلة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، التي كان ينوي القيام بها يوم الثلاثاء الماضي، إلى إسلام آباد لقيادة مفاوضات بلاده مع إيران في العاصمة الباكستانية، فيما كان يعد الجولة الثانية من المفاوضات، بعد الوقف المؤقت للحرب بين الجانبين، وذلك في اليوم الأخير من مهلة الأسبوعين، التي كان الطرفان قد وافقا عليها، بعد أربعين يوماً من القتال العنيف، وذلك بسبب امتناع إيران عن إرسال وفدها التفاوضي، إلى العاصمة الباكستانية، وهذا يعد في العرف الدبلوماسي صفعة، خاصة أن الحديث عن أميركا الطرف المقابل لإيران في المفاوضات، وعلى نحو أخص، عن أميركا في ظل إدارة «المتبجح» العالمي دونالد ترامب، المتنمر على كل دول العالم.

انتهاء المهلة دون لقاء الوفدين، ودون إعلان عن تمديدها مرة ثانية حتى تلك اللحظة، يعني بكل بساطة، أن التهديد الأميركي بالحرب، لم يعد يخيف ولا يردع ولا حتى يؤثر على الجانب الإيراني، بعد أن جرّبت الحرب لمدة أربعين يوماً، لم تصمد خلالها وحسب، بل قارعت أميركا وإسرائيل معاً، وفق حرب عدم التناظر العسكرية، ولم تفشل خططهما، ولم تمنعهما من تحقيق أهدافهما، التي كانتا تسعيان إليها عبر حرب خاطفة وحسب، بل استنفدت مخزونهما من العتاد والصواريخ الخاصة بالحرب عبر الجو.

صحيح أنهما لم تخسرا شيئاً - تقريباً، من الطائرات الحربية، لكنهما استنفدتا القنابل والمقذوفات، والأهم الصواريخ الاعتراضية المضادة للصواريخ الإيرانية، ولأن الحرب لا تحسم بالجو فقط، فقد كان يجب على أميركا، أن تنتقل من أجل تحقيق النصر، بتحقيق الأهداف، إلى الحرب البرية، أو على الأقل إلى عمليات برية محدودة، لكنها عجزت عن ذلك.

والحقيقة أن إيران بعقيدة قتالية تتناسب مع طبيعة الحروب ما بعد الحرب الباردة، خاضت حربها الأهم عبر تاريخها، بينما أميركا وإسرائيل خاضتا حرباً تقليدية، لذلك فإن الفشل بالنسبة لهما هزيمة، فيما الصمود لإيران انتصار، وقد أدارت إيران الحرب وفق وتيرة مناسبة، بحيث أنها ظلت قادرة على إطلاق الصواريخ والمسيرات، إلى لحظة اقتراب نفاد مخزونات الخصم من الصواريخ الاعتراضية.

وهذا ظهر في الأيام الأخيرة للحرب، حين بدأت الصواريخ الإيرانية، وصواريخ حزب الله تصل العمق الإسرائيلي، وتخترق نحو خمس منظومات دفاع جوي، كما أنها استخدمت أوراقاً ضاغطة على العدو منذ اليوم الأول، ولم تكتفِ بمهمة الصمود، وتلقي الضربات، أمام عدو بلا قلب، وبلا أدنى التزام حتى بقوانين الحرب.

من أدوات الضغط كان استهداف القواعد العسكرية الأميركية في الخليج، وكانت أميركا تظن أن إيران ستتجنب ذلك حتى لا تدخل في حالة عداء مع جيرانها، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل حين استهدفت أميركا وإسرائيل المراكز المدنية الإيرانية، ومؤسساتها الاقتصادية، ردت إيران باستهداف شركات ومؤسسات اقتصادية عالمية في الخليج، ثم كان استخدام ورقة الضغط الأهم، والتي لم تكن مطروحة أصلاً قبل الحرب على طاولة التفاوض، ولا على طاولة الصراع، وهي ورقة مضيق هرمز، الذي يعتبر شريان التجارة العالمية، خاصة تجارة النفط والطاقة.

وورقة هرمز لا تضغط فقط على أوروبا والصين وكوريا واليابان، أي الدول الصناعية التي لا تنتج النفط والغاز بل تستوردهما، بل تضغط على ترامب نفسه، وبشكل حاد، لأن ارتفاع أسعار النفط، ينعكس تضخماً في بلاده، ولأن الخسائر الاقتصادية الهائلة التي تعرضت لها دول الخليج تضغط على ترامب من ناحيتين، الأولى ناحية الاستثمار التي عوّل عليها كثيراً، حين زار المنطقة بعد دخوله البيت الأبيض مباشرة، وعاد بوعود باستثمار عدة تريليونات في أميركا، لضخ الدم الحار في عروق الاقتصاد الأميركي الشائخ، في مواجهته للاقتصاد الصيني الفتي، ومن الناحية الثانية على اعتماد الدولار كعملة تداول عالمي.

ومنذ أن هدد ترامب، باستهداف مراكز الطاقة والجسور، في إيران، وذلك بعد أن تراجع عن خيار شن العمليات البرية، سواء باستهداف جزيرة خرج وغيرها، أو باستهداف منشآت اليورانيوم، لسرقة ما فيها من يورانيوم مخصب، حيث لا يخفي رغبته الشديدة في الحصول عليه، بأي شكل، مع التهديد الإيراني بأن ردها سيستهدف كل منشآت الطاقة في الخليج وإسرائيل، بما يعني أن يصل سعر برميل النفط، لحظة إطلاق تلك العملية العسكرية، لما هو أكثر من 150 - 200 دولار للبرميل الواحد، لهذا تمهدت الطريق للوقف المؤقت لإطلاق النار، والذي أدى بدوره إلى هبوط ملحوظ بأسعار الطاقة، انتظاراً لما سينتج عن جولة المفاوضات، التي جرت بعد يومين من إعلان وقف النار، في إسلام آباد.

لم تنتهِ جولة التفاوض باتفاق حاسم، لذلك بقي سعر برميل النفط، يتراوح ما بين 90 - 100 دولار، وهذا بالطبع مرتفع جداً، بالنظر إلى أن سعره كان قبل الحرب 60 دولاراً، المهم أن شوكة إيران قويت بعد وقف الحرب، وباتت تشعر بالنصر، خاصة بعد أن فرضت على الجانب الأميركي الالتزام بوقف إطلاق النار على جبهة لبنان أيضاً، وواصلت العمل بصمت، في مقابل إطلاق ترامب لتهديداته الكلامية، التي صارت تعبر عن حنق وعن غضب، بسبب فشله الميداني، وتخبطه السياسي، وهو ذاهب بحزبه إلى خسارة شبه مؤكدة في الانتخابات النصفية، وهكذا بات الوقت يضيق على ترامب وعلى نتنياهو، الذي لن يجد حليفاً بعد خروج آخر حليف عالمي له من البيت الأبيض، بل حتى قبل خروج ترامب، الذي سيتحول إلى «بطة عرجاء» بعد الانتخابات النصفية، حيث سيكون عاجزاً عن إطلاق مغامراته في كل اتجاه.

وقد لوحظ منذ أكثر من أسبوعين تغير لهجة ترامب، فبعد أن كان يرغي ويزبد ليل نهار، بات أقل صخباً، بما يشير إلى أن «عقلاء ما» يحيطون به، قد أجبروه على التوقف، عن التهديد بارتكاب جرائم الحرب، باستهداف مراكز الطاقة، أو عن التهديد النازي بتدمير حضارة بكاملها، لكن ذلك لا يعني أنه لا يضمر الشر، بل إن فشله قد يأخذه لاستخدام النووي، وهذا ما أشار إليه لاري جونسون الضابط السابق في (السي آي إيه)، بقوله إن ترامب طلب من مجلس الأمن القومي، إعطاءه «الكود النووي»، وحسب التسريبات التي يبدو أن بعضها يخرج بشكل متعمد، ليؤدي وظيفة سياسية ما، فإن ترامب خرج ليعلن مجدداً عن تمديد لوقف إطلاق النار، ولكن دون تحديد سقف زمني له، وذلك قبل ساعات من انتهاء مهلة الأسبوعين، وذلك رغم عدم إرسال إيران لطاقمها التفاوضي إلى إسلام أباد.

وقد برر ترامب لنفسه، وهو بات يكلمها أكثر مما يتحدث مع الآخرين، ذلك بالقول، إن التمديد لوقف إطلاق النار، يمنح طهران الوقت لحسم الصراع داخل السلطة، الذي يحول وفق تقديره، دون استسلام إيران!

هناك تسريبات أخرى، تهدف للضغط على الجانب الإيراني، تقول إن التمديد إنما هو لمدة 3 - 5 أيام، وهذا لم يعد يعني إيران بشيء، بل هي رفضت إعلان ترامب، بما يعني أنها سترد على الحصار البحري، باستهداف عسكري للسفن، التي لا تلتزم بمعايير إدارتها للمضيق، كما فعلت أول من أمس مع سفن يونانية، وقبلها مع سفينة هندية، لكن الأهم هو ما يقال إن ترامب حسب «وول ستريت جورنال» استشار مستشاريه، فيما إذا كان الأفضل أن يستأنف الحرب، وخرج بموقف أنه يأمل أن تحل العقوبات محل الحرب، والعقوبات هي الحصار الذي أعلنه منذ إعلانه هدنة وقف إطلاق النار الأولى، لترد عليه إيران باستهداف قطعه العسكرية التي تفرض الحصار، لذلك هي ترفض وقف النار الآن، الذي يمنعها من التصدي للقطع العسكرية، وحيث إن نتيجة هذه المواجهة، التي انتقل إليها ترامب في ظل عدم إطلاق يديه لاستخدام النووي، وبها انتقل بالحرب من الجو إلى البحر، معتمداً على تفوقه العسكري، كما كان حاله في الجو.

لكن وكما كانت نتيجة المواجهة العسكرية في الجو، التي كانت أهم سماتها القصف مقابل القصف، فإن الحصار البحري يواجه بالقبض على مضيق هرمز، وبإطلاق النار على القطع البحرية الأميركية، وقد اعتبرت إيران الحصار البحري عدواناً عسكرياً، ولم توافق على التفاوض في ظل الحصار البحري، كما رفضت من قبل التفاوض في ظل إطلاق النار الإسرائيلي على لبنان، والحصيلة بعد أيام قليلة من الحرب البحرية، هي نجاح إيران في إبحار 34 ناقلة نفط لها، وفي فرض قبضتها على هرمز، والمعيار هو سعر برميل النفط.