رحمون البسكري: شاعر البندقية والكلمة… حين تقاتل القصيدة ولا تتوقف
نشر بتاريخ: 2026/04/23 (آخر تحديث: 2026/04/23 الساعة: 18:37)

في التاريخ العربي، قلما ينفصل الحبر عن الدم، أو تنعزل القصيدة عن ساحة المعركة. هناك، في تخوم الذاكرة الشعبية الجزائرية، يبرز اسم الشاعر الشعبي رحمون البسكري بوصفه نموذجا فريدا لذلك التماهي العميق بين الكلمة والفعل، بين القصيدة والبندقية. لم يكن شاعرا يكتفي برصد الألم، بل كان جزءا من صناعته، ولم يكن صوته صدى بعيدا، بل كان طلقا حيا في معركة لم تكن تخص فلسطين وحدها، بل كانت تعبيرا عن وجدان عربي مشترك، يتجاوز الجغرافيا ويختزل المعنى.

في أربعينات القرن الماضي، حين كانت فلسطين تئن تحت وطأة المشروع الاستعماري، لم تكن الحدود قد تحولت بعد إلى جدران صماء في الوعي العربي. كان الانتماء أكثر اتساعا، وكانت القضية الفلسطينية تُرى بوصفها امتدادا طبيعيا لمعركة التحرر في كل أرض عربية. في هذا السياق، شد رحمون البسكري رحاله، لا بصفته مقاتلا فحسب، بل بصفته شاهدا، وناطقا باسم تلك اللحظة التاريخية التي امتزج فيها الوعي بالفعل.

لم يكن انتقاله إلى فلسطين حدثا عابرا، بل كان تعبيرا عن وعي مبكر بوحدة المصير. فالشاعر الشعبي، الذي ينتمي إلى بيئة تعتز بالكلمة الشفوية، أدرك أن القصيدة ليست زينة لغوية، بل أداة مقاومة. لذلك، حملها معه إلى الميدان، وجعل منها وسيلة لتوثيق اللحظة، وشحذ الهمم، وبناء سردية موازية لتلك التي كان الاستعمار يسعى إلى فرضها.

في خضم القتال، لم تتوقف القصيدة. بل ربما ازدادت حضورا، لأنها وجدت في النار مادتها الخام. كتب رحمون البسكري قصيدته الشعبية، لا ليخلد ذاته، بل ليحفظ ذاكرة جماعية كانت مهددة بالتشظي. كانت كلماته تنبض بروح الميدان، تتنقل بين مشاهد الاشتباك، وملامح الرفاق، ووجع الأرض التي تقاوم.

اللافت في تجربة رحمون البسكري أن قصيدته لم تكن منفصلة عن الواقع، بل كانت امتدادا له. لم يلجأ إلى الزخرفة اللغوية بقدر ما اعتمد على صدق التجربة. فالشعر الشعبي، في جوهره، يقوم على المباشرة، وعلى القدرة على الوصول إلى الوجدان دون وسائط معقدة. وهذا ما جعل قصيدته أكثر تأثيرا، لأنها خرجت من قلب المعاناة، وعادت لتستقر في قلوب الناس.

يمكن تخيل بعض من روحه الشعرية في تلك اللحظة، وهو يخاطب فلسطين بلغة بسيطة، لكنها مشحونة بالدلالة:

يا فلسطين يا جرح العرب ما يبرا

يا أرض العز، يا نار تشعل في الصدور

جيناك ما بين رصاص ومحنة كبرى

نكتب بالدم، والقصيد يشهد بالحضور

هذه الروح، التي تمزج بين الحزن والعزم، تعكس طبيعة المرحلة. لم يكن الشاعر يبكي الهزيمة، بل كان يحولها إلى طاقة مقاومة. فالقصيدة هنا ليست مرثية، بل إعلان استمرار.

غير أن أهمية رحمون البسكري لا تكمن فقط في مشاركته القتالية، ولا في قصيدته التي وثقت تلك المرحلة، بل في كونه جسرا بين جبهتين: جبهة القتال في فلسطين، وجبهة الوعي في الجزائر. فقد عاد، وهو يحمل معه تجربة مختلفة، ساهمت في تغذية الوعي التحرري الذي سيتفجر لاحقا في ثورة نوفمبر.

هكذا، يصبح الشاعر الشعبي جزءا من مسار تاريخي أكبر، لا مجرد صوت عابر. فهو ينقل التجربة، ويعيد صياغتها، ويزرعها في تربة جديدة، لتثمر وعيا ومقاومة. وهذا ما يجعل قصيدته، رغم بساطتها الظاهرية، ذات عمق استراتيجي، لأنها تسهم في بناء سردية جماعية تقاوم النسيان.

اليوم، ونحن نستعيد اسم رحمون البسكري، لا نفعل ذلك بدافع الحنين فقط، بل بدافع الحاجة إلى إعادة قراءة تلك النماذج التي جمعت بين الفعل والكلمة. في زمن تتكاثر فيه الأصوات، وتتشظى فيه الخطابات، تبدو تجربة هذا الشاعر تذكيرا بأن القصيدة يمكن أن تكون موقفا، وأن الكلمة، حين تصدر عن تجربة حقيقية، تملك قدرة على البقاء تتجاوز الزمن.

لم تتوقف قصيدة رحمون البسكري، لأنها لم تكن مجرد نص مكتوب، بل كانت جزءا من حركة التاريخ. قد يغيب صاحبها، لكن أثرها يظل ممتدا، يتردد في الذاكرة، ويعيد طرح السؤال ذاته: هل ما زالت الكلمة قادرة على القتال؟

الجواب، كما تشير إليه تجربته، أن الكلمة التي تولد من رحم المعاناة، وتتشبع بصدق التجربة، لا تتوقف. إنها، مثل القضية التي دافع عنها، تستمر، تتجدد، وتبحث دائما عن صوت جديد يحملها إلى المستقبل.