تستعد المملكة المتحدة للإعلان الشهر المقبل عن مشروع قانون جديد يهدف إلى تسريع التقارب مع الاتحاد الأوروبي، في خطوة تعكس تحولات سياسية واستراتيجية متسارعة، خاصة في ظل تدهور ما يُعرف بـ"العلاقة الخاصة" مع الولايات المتحدة على خلفية الحرب الدائرة مع إيران.
وتأتي هذه التحركات بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر، الذي يسعى إلى إعادة صياغة موقع بلاده الدولي، في ظل ما يصفه مراقبون بعدم القدرة على التنبؤ بسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصًا بعد سلسلة تصريحات وهجمات لفظية طالت الحليف البريطاني.
وفي هذا السياق، قالت إيفي أسبينال، مديرة مركز "مجموعة السياسة الخارجية البريطانية"، إن الحكومة الحالية كانت تميل أصلًا إلى تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، لكن التطورات المرتبطة بإيران منحت هذا التوجه دفعة إضافية لتسريعه.
وتعمل حكومة ستارمر حاليًا على إعداد ما يُعرف بمشروع قانون "إعادة الضبط"، والذي يمنح الوزراء صلاحيات لتحديث القوانين البريطانية بما يتماشى مع قواعد السوق الموحدة الأوروبية بشكل مستمر، فيما يُعرف بـ"المواءمة النشطة".
وبحسب مصادر حكومية، سيُعلن الملك تشارلز الثالث عن هذا التشريع رسميًا في 13 مايو، ضمن الخطاب الملكي الذي يستعرض أولويات الحكومة للفترة المقبلة.
ومنذ فوز حزب العمال في انتخابات 2024، ركّز ستارمر على تعزيز العلاقات الاقتصادية والأمنية مع أوروبا، في تحول واضح عن سياسات حزب المحافظين الذي قاد استفتاء بريكست.
وفي الأيام الأخيرة، كثّف ستارمر دعواته لهذا التوجه، حيث أكد خلال لقائه مع السياسي الهولندي روب يتن أن الشراكة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي أصبحت ضرورة لمواجهة التحديات الراهنة.
ويُعدّ الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لبريطانيا، في وقت حذّر فيه صندوق النقد الدولي من أن الاقتصاد البريطاني قد يكون الأكثر تضررًا بين الدول المتقدمة نتيجة تداعيات الحرب المرتبطة بإيران.
وفي تطور لافت، رفض ستارمر مشاركة بلاده في الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير الماضي، ما أثار استياء ترامب، رغم سماح لندن لاحقًا باستخدام قواعدها العسكرية لأغراض دفاعية محدودة.
كما زادت حدة التوتر بعد تهديد ترامب بإلغاء اتفاق تجاري مع بريطانيا، كان قد ساهم في تقليل آثار الرسوم الجمركية الجديدة عليها.
ويرى خبراء، من بينهم ديفيد هينيغ، أن هذا التوتر مع واشنطن أسهم في تسريع التقارب مع أوروبا، خاصة في ظل صعوبة بناء سياسة تجارية مستقلة بعد "بريكست".
**عودة النقاش حول "بريكست"**
تأمل حكومة ستارمر في تمرير التشريع خلال الأشهر المقبلة، بالتزامن مع اقتراب الذكرى العاشرة لاستفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي في يونيو 2016.
ويتضمن المشروع آلية قد تسمح للحكومة باعتماد بعض قواعد الاتحاد الأوروبي دون الحاجة إلى تصويت برلماني كامل، في مجالات مرتبطة باتفاقيات قائمة، مثل تسهيل تصدير المنتجات الزراعية والغذائية، إضافة إلى خطط لدمج بريطانيا في سوق الكهرباء الأوروبية.
كما تسعى لندن وبروكسل إلى إتمام اتفاق بشأن تنقل الشباب قبل قمة مشتركة مرتقبة في العاصمة البلجيكية بروكسل منتصف العام.
ورغم هذا التقارب، يؤكد ستارمر أنه لا يعتزم إعادة الانضمام إلى السوق الموحدة أو استعادة حرية التنقل، بينما تضغط أحزاب مثل الديمقراطيين الليبراليين باتجاه اتفاق اتحاد جمركي مع أوروبا.
في المقابل، يواجه هذا التوجه انتقادات من حزب الإصلاح البريطاني بزعامة نايجل فاراج، الذي وصف الخطوة بأنها "خيانة" لنتائج الاستفتاء.
لكن استطلاعات الرأي تشير إلى تزايد ندم البريطانيين على قرار الخروج، وهو ما قد يمنح ستارمر دعمًا سياسيًا للمضي قدمًا في هذا المسار.
كما تلعب الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة دورًا في هذا التحول، حيث ألقت وزيرة المالية راشيل ريفز باللوم على سياسات ترامب، معتبرة أن الحرب على إيران بدأت دون خطة واضحة، ما انعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي.
وفي المحصلة، يبدو أن تراجع الثقة في الشراكة مع واشنطن يدفع لندن نحو إعادة تموضع استراتيجي، يعيد الاعتبار لعلاقاتها الأوروبية في مرحلة دولية شديدة التعقيد.