كتب - رشا عماد: في عالم السياسة الدولية، لا تُقرأ التحركات الكبرى بمعزل عن سياقها الأوسع، بل كجزء من استراتيجية متكاملة لإعادة تشكيل موازين القوى، في هذا الإطار، يبرز دونالد ترامب كأحد أكثر القادة إثارة للجدل، حيث اتسم نهجه بسياسات غير تقليدية تمزج بين الضغط الاقتصادي وإعادة توجيه النفوذ، خاصة في ملفي الطاقة والشرق الأوسط.
وتشير المعطيات إلى أن التحركات الأمريكية نحو النفط في فنزويلا لم تكن مجرد خطوة اقتصادية، بل جزءًا من رؤية أوسع تهدف إلى تقليل الاعتماد التاريخي على نفط الشرق الأوسط. هذا التوجه يمنح واشنطن قدرة أكبر على المناورة، ويحرر قرارها السياسي من قيود الإمدادات التقليدية، خصوصًا في أوقات الأزمات، وقد عززت هذه السياسة عبر إجراءات مباشرة للسيطرة على عائدات النفط الفنزويلي وإعادة توجيهها بما يخدم الأهداف الاستراتيجية الأمريكية .
في المقابل، يظهر الشرق الأوسط كساحة يتم فيها تطبيق هذا التحول. فبدل الانخراط العسكري المباشر كما في العقود السابقة، اعتمدت السياسة الأمريكية على أدوات أكثر مرونة، مثل العقوبات الاقتصادية وإعادة توزيع الأعباء على الحلفاء.
وفي بيئة إقليمية معقدة تضم قوى مثل ايران والسعودية ، أصبح الهدف ليس إنهاء الصراعات بقدر ما هو إدارتها والتحكم بمسارها.
ولكن التصعيد الأخير في التوتر مع إيران، بما في ذلك التهديدات المباشرة للبنية التحتية النفطية، يعكس هذا النهج القائم على الضغط المكثف دون الانزلاق إلى حرب شاملة، رغم المخاطر العالية على استقرار المنطقة وأسواق الطاقة العالمية ، في الوقت نفسه، تسعى واشنطن إلى استخدام ورقة الطاقة كأداة نفوذ، سواء عبر تأمين مصادر بديلة أو عبر التأثير على تدفقات النفط العالمية.
الترابط بين المسارين فنزويلا والشرق الأوسط يبدو واضحًا في هذا السياق، فكلما زادت قدرة الولايات المتحدة على تأمين مصادر طاقة خارج الشرق الأوسط، ازدادت حريتها في ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية داخل المنطقة، وإعادة صياغة علاقاتها مع الحلفاء والخصوم على حد سواء.
وبينما يُنظر إلى هذه السياسات على أنها زعزعة للاستقرار، تشير قراءة أعمق إلى أنها قد تمثل إعادة تموضع استراتيجية تهدف إلى تقليل التكلفة العسكرية وتعظيم النفوذ غير المباشر. فبدل الهيمنة التقليدية، تتجه واشنطن نحو نموذج يعتمد على التحكم بالأسواق، والعقوبات، وشبكات التحالف.
في المحصلة، يكمن دهاء دونالد ترامب في قدرته على توظيف أدوات متعددة من الطاقة، إلى الاقتصاد لإعادة رسم المشهد الجيوسياسي، وبينما تبدو النتائج مضطربة على السطح، إلا أنها قد تعكس تحولًا أعمق في طريقة إدارة الولايات المتحدة لنفوذها في الشرق الأوسط والعالم.