هل تتقاطع خطوط الحرب المتوازية ؟
نشر بتاريخ: 2026/03/27 (آخر تحديث: 2026/03/27 الساعة: 16:03)

حبس العالم أنفاسه مع مرور مهلة الثماني وأربعين ساعة التي كان منحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران وذلك مساء السبت الماضي، لتسمح لناقلات النفط والسفن التجارية بالمرور في مضيق هرمز، وقبل ساعات من انقضاء مهلته، سارع إلى القول إن إيران قد طلبت التفاوض، ولذلك فهو يمنحها مهلة إضافية مدتها خمسة أيام أخرى، تنقضي اليوم الجمعة، وأرفق إعلانه بتفصيل يقول إن الأخبار جيدة جداً، وأوحى بأن إيران قد رفعت الراية البيضاء، واستسلمت صاغرة لتهديده.

وقد كان من شأن ذلك الإعلان، حتى وإن لم يصدقه أحد، أن انخفضت أسعار النفط قليلاً، بينما جاء الرد من إيران سريعاً، يكذب ادعاء ترامب، القائل بطلبها للتفاوض، فيما كانت حقيقة الأمر تتكشف عن وجود وساطات إقليمية، تقودها منذ وقت كل من مصر وتركيا وباكستان، لتجنيب الشرق الأوسط المزيد من اشتعال نار الحرب، والعالم المزيد من الانهيار الاقتصادي الناجم عن انقطاع الطاقة، وكانت مهلة ترامب قد أرفقت بتهديد كان من شأن تنفيذه أن يزج العالم في حريق لا يخرج منه ولو بعد عقود من السنوات، حريق يأتي على كل حقول الطاقة في الشرق الأوسط، أي في إيران وإسرائيل والخليج العربي، فقد هدد باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية، من مصافي نفط ومولدات كهرباء، لترد عليه باستهداف كل حقول الطاقة في إسرائيل والخليج، وهذا أمر يعني تدمير كل حقول البترول والغاز، ومولدات الطاقة الكهربائية، بحيث يكون الضرر الناجم عن ذلك بالغاً في الخليج وإسرائيل أكثر منه في إيران.

وهذا يعني أن يصبح النفط والغاز مادة نادرة في العالم، وبدلاً من الحديث عن ارتفاع برميل النفط من 60 - 100 دولار، كما هو حاله اليوم، يصبح الحديث عن 200 - 500 دولار، بما يعني انهياراً اقتصادياً عالمياً، تنهار بنتيجته شركات كبرى، بل تنهار صناعات بكاملها، واقتصادات دول، وكأن ترامب لو فعل ذلك يكون كمن ضغط على زر إطلاق قنبلة نووية، ليشمل الدمار الناجم عنها نصف الكرة الأرضية.

المهم في الأمر، أن التهديد، سمح بالنزول عن حافة الهاوية قليلاً، ولأن المشهد يكاد يكون واضحاً لكل الدنيا، فكان لا بد أن تتضح الصورة أكثر بعد مضي يوم أو يومين، فأن تطلب إيران التفاوض، يعني أنها على وشك الاستسلام، وهذا يتضح من مجرد إعلان الجهة الوسيطة حقيقة ما حدث حتى تلك اللحظة، كذلك يتضح الأمر مما يعلنه الجانبان من شروط خاصة بهما لوقف الحرب أو وقف إطلاق النار، وهكذا كان، أن أعلنت باكستان أنها سلمت إيران ورقة المطالب الأميركية ذات النقاط الـ 15، لترد إيران بشروط سبعة، مع رفض الشروط الأميركية عالية السقف، لدرجة أنها لم تكن قد طرحتها في جولة التفاوض الثانية، التي جرت قبل الحرب بوساطة سلطنة عمان في مسقط وجنيف، أما الشروط الإيرانية، ففضلاً عن أنها كانت المرة الأولى من نوعها، وهي كانت في السابق ترفض ما يعرض أميركياً في الإعلام من الشروط، وأبعد ما ذهبت إليه كان رفض مشاركة الدول الخليجية وتركيا في التفاوض، وما فرضته من نقل للدولة الراعية من تركيا لسلطنة عمان.

أما اليوم فإن سقف الشروط الإيرانية عالٍ، ويدل على العكس تماماً مما أعلنه ترامب منذ اليوم الأول للحرب، من تدمير كامل لقوتها العسكرية القادرة على الصمود في حرب استنزاف طويلة، وعلى العكس تماماً مما أوحى به، محاولاً حفظ ماء وجهه بالتنازل عن تهديد الثماني وأربعين ساعة، من استسلام إيراني، كونها طلبت التفاوض.

والحقيقة أن ترامب ادعى كثيراً، وتقريباً كل يوم كان يقول، إن إيران تريد التفاوض، لكنه هو لا يريد، لذلك فإن الأقرب إلى المنطق، هو أن العالم المتضرر، وتحديداً دول الخليج أولاً، التي هي بين ناري استمرار الحرب، بما يهددها وجودياً في حال تحولت إلى حرب شاملة، أو حرب كسر عظم بالكامل، يلقي فيها الطرفان المتحاربان بكل أوراقهما في المحرقة دفعة واحدة، وهي بلا حول ولا قوة، أي دون قدرة على وقف حرب تتضرر هي فيها أكثر من طرفيها، وهي ليست طرفاً بها، أو بين مشاركتها التي إن غيرت من واقع حال للحرب، فإلى الأسوأ، وكذلك الأوروبيون مستهلكو الطاقة الشرق أوسطية، والذين يهدد استمرار الحرب اقتصادهم بنتيجة الالتحاق بالاقتصاد الأميركي، بعد أن بدأت بعض شركاتهم فعلاً في نقل أعمالها من أوروبا إلى أميركا، لذا فالأقرب للمنطق هو أن هؤلاء الذين كانوا ضد الحرب، ويتضررون أكثر من استمرارها يحاولون وقفها اليوم قبل الغد، وهم من يتوسطون، بدافع ذاتي، أي دون طلب لا من إيران ولا من أميركا.

لكن مع ذلك، فإن مجرد السماح لقناة الوساطة بالانفتاح، يعني أن ترامب قد بدأ يعيد حساباته، بعد مضي ثلاثة أسابيع، امتصت خلالها إيران الضربات الموجعة الأولى، وبدأت تقارع العدوان، وذلك عبر القصف بالقصف، بل بدأت تلوح في الأفق ملامح ترجيح كفتها هي وحزب الله، إن لم يكن اليوم ولا غداً، فبعد أسابيع إضافية أو حتى بعد أشهر، هذا إذا ما بقيت هناك قدرة لترامب على مواصلة الحرب بهذا الإيقاع، لذلك كان ترامب بين خيارين، أحلاهما مر، الأول هو أن يقدم على تصعيد لفك القبضة الإيرانية التي تتحكم بمضيق هرمز، وهذا ما دفعه لإطلاق التهديد باستهداف محطات الطاقة، أو الانسحاب تدريجياً، ويبدو أن واشنطن اليوم هي في مرحلة تجريب كل الاحتمالات، حيث لم يعد خيار الحسم العسكري هو الخيار الوحيد، بعد أن كان كذلك عشية إطلاق الحرب، ولعل سحب حاملة الطائرات إبراهام لنكولن، والإعلان عن أنها ستكون خارج الخدمة، وأن السبب لم يكن الحريق في غرفة الغسيل، خير دليل، كذلك قد تكون المهلة الإضافية بدافع تكتيكي حتى تصل قوات المارينز، حيث بقي بين يدي ترامب خيار احتلال جزيرة خرج، والإنزال البري للسطو على اليورانيوم المخصب.

أيا يكن الأمر، فإن تراجع خيارات ترامب بالحسم العسكري، كذلك تبدد احتمال سقوط النظام، وانعدام وجود فرصة لتوغل بري مع الأكراد، أبقى بين يديه خيار الزج بقواته البحرية نحو جزيرة «خرج»، منفرداً أو مترافقاً مع الإنزال البري لسرقة اليورانيوم الإيراني المخصب، في مواقع فوردو ونطنز وأصفهان، فيما المختصون يتحدثون عن استحالة قدرته على تنفيذ عملية إنزال بري ناجحة للسطو على 440 كيلو غراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، الكافية لصنع 10 قنابل نووية في حال ارتفع تخصيبها إلى 90%، كذلك حجم المقامرة المرتفع جداً، في حال قرر احتلال «خرج»، مع هذه الحالة، وبالمقارنة بين الشروط الأميركية والشروط الإيرانية، يمكن القول باستحالة التقاطع بينهما، لكنّ هناك احتمالاً أن يقتصر الأمر على التفاوض بالوساطة الباكستانية على إطار اتفاق، يشمل وقفاً لإطلاق النار، ينزع فتيل التصعيد العسكري والاقتصادي، المتمثل بعدم انتقال الحرب إلى استهدافات شاملة، وفتح هرمز مقابل رسوم تحصل عليها إيران من خلال إدارة إقليمية للمضيق، كما تفعل مصر مع قناة السويس.

هذا يمكّن ترامب من القول إنه فرض على إيران أن تفتح مضيق هرمز دون أي تنازل من جهته، بينما يستمر التفاوض على ملفات الخلاف كما كان الحال مع الوساطة العمانية، حيث هناك ملف وحيد قابل للحل، وهو الملف النووي مقابل العقوبات الاقتصادية، فإيران لم تتوقف عن التمسك سوى بما لديها من يورانيوم مخصب، ومن حقها في التخصيب بالنسبة السلمية، مع تفتيش الوكالة الدولية، وترامب نفسه أكثر ما يؤكد عليه هو استحالة أن يسمح لإيران بامتلاك السلاح النووي، وكان الحل في متناول اليد العمانية لولا وجود المطالب الإسرائيلية بين شروط الطرفين، والتي مضمونها وباختصار، هو انتقال إيران من موقع العدو إلى موقع اللاعدو لإسرائيل وليس لأحد آخر ولا أميركا، وذلك يكون إما بإسقاط النظام كما فعلت مع العراق، وسورية، وليبيا، وإما بتقليم أظافر إيران، كما فعلت مع حماس، وتحاول أن تفعل مع حزب الله، أي بتدمير قوتها الصاروخية وحصرها في مدى 300 كم، وقطع صلاتها مع أطراف محورها الإقليمي، أي بتحجيم قوتها العسكرية، وكذلك إحباط طموحها الاقتصادي بمواصلة العقوبات ومنع امتلاكها الطاقة النووية السلمية، كل ذلك لأنها تراها منافساً إقليمياً.

بالنتيجة يمكن القول، إن الصراع لن يتوقف، فما لم يحسم في ميدان المعركة، لن تصل به مفاوضات الطاولة إلى حل، نهائي على الأقل، لذلك يمكن التوصل لاتفاق ينخفض معه مستوى الحرب، وحتى ينتج عنه وقف لإطلاق النار، لكن الصراع على النظام الإقليمي وحتى على النظام العالمي، يحتاج سنين أخرى حتى يصل خط النهاية، وذلك عبر كل أشكال الصراع العسكرية والاقتصادية.