في لحظةٍ تتكسر فيها صور القوة التقليدية، وتتصاعد أسئلة الوعي والكرامة، يتشكل شرقٌ أوسط مختلف… لا تحكمه إرادة الهيمنة وحدها، بل تصوغه ذاكرة الشعوب حين تستعيد صوتها.في لحظات التحوّل الكبرى في التاريخ، لا تُقاس النتائج فقط بما يقع من أحداث، بل بما تتركه من آثارٍ في الوعي الجمعي للشعوب. وما يجري اليوم في غزة، وما يتقاطع معه من تصعيد إقليمي يمتد إلى إيران، ليس مجرد حرب عابرة، بل مخاضٌ عسير يعيد تشكيل ملامح الشرق الأوسط، وربما النظام الدولي بأسره.ورغم هول المجازر التي تُبث على مدار الساعة، وما تحمله من صورٍ دامغة لجرائم بحق الإنسانية، فإن ردود الفعل العربية والإسلامية – شعوبًا وأنظمةً – جاءت دون مستوى الحدث. صمتٌ ثقيل، أو مواقف باهتة، تركت انطباعًا مؤلمًا بأن العالم، أو معظمه، قد تواطأ بصمته مع آلة القتل الإسرائيلية.في هذا السياق، تبدو حالة الأمة أقرب إلى ما وصفه الحديث الشريف بـ"الكوز المُجَخِّي"، أي ذلك الإناء المقلوب الذي لا يستقبل ماءً ولا يحتفظ به؛ فلا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا. إنها حالة من الانكفاء، وفقدان البوصلة، والاعتياد على العجز، حتى باتت صور الدم والدمار تمرّ دون أن تُحرّك ما يكفي من الإرادة الجماعية.في المقابل، يمضي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مدعومًا بتحالف اليمين المتطرف، في رسم ملامح ما يسميه "الشرق الأوسط الجديد"، بلغة توراتية تستبطن نزعة توسعية، ورؤية تقوم على فرض الهيمنة بالقوة. وهو، ومعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يراهنان على عامل الزمن؛ على أن الشعوب ستنسى، وأن الذاكرة ستخبو، وأن الجرائم – مهما عظمت – يمكن أن تُطوى تحت ضغط السياسة والمصالح.غير أن هذا الرهان، في جوهره، قصير النظر. فالتاريخ يعلّمنا أن لحظات الظلم الفادح لا تمرّ دون أن تترك أثرًا تراكميًا في وعي الشعوب، حتى وإن بدا هذا الوعي خامدًا في لحظته الراهنة. صحيح أن الأمة تبدو اليوم في حالة سبات، وأن قياداتها السياسية قد انزلقت في مساراتٍ من التبعية والخضوع، لكن هذا لا يعني أن معادلات القوة ستظل على حالها.تشير العديد من التقديرات إلى أن كلاً من نتنياهو وترامب يواجهان تحديات داخلية متصاعدة. فالحرب المفتوحة، التي اتسعت جنباتها لتشمل إيران، تحمل في طياتها احتمالات فشلٍ ميداني واستنزافٍ سياسي يطال هيبة الولايات المتحدة. وإذا ما تحقق سيناريو انكسار هذه الهيبة، فإن كلفته لن تكون عسكرية فقط، بل سياسية وانتخابية أيضًا.في الولايات المتحدة، قد ينعكس هذا الفشل على حظوظ ترامب الانتخابية، خاصة في ظل انقسام داخلي متزايد حول جدوى الانخراط في صراعات خارجية مكلفة. وفي إسرائيل، تتصاعد الانتقادات لنتنياهو، ليس فقط بسبب إخفاقات أمنية، بل أيضًا بسبب إدارة حربٍ ذات كلفة إنسانية وسياسية غير مسبوقة، قد تفتح الباب أمام مساءلات داخلية، وربما محاكمات.أما على المستوى الإقليمي، فإن صمود إيران – إن تحقق – سيُحدث تحولًا في ميزان الردع، ويُسهم في تآكل صورة الهيبة الأمريكية والإسرائيلية. وهذا من شأنه أن يمنح الشارع العربي والإسلامي جرعةً من الثقة، ويدفع بعض الأنظمة إلى إعادة حساباتها، ولو تدريجيًا، والانتقال من موقع التلقي إلى موقع المبادرة، أو على الأقل إلى الرفض الصريح.حتى في حال افتراض بقاء نتنياهو أو عودة ترامب إلى السلطة، فإن البيئة السياسية في المنطقة لن تكون كما كانت. فالتطبيع الذي سعى إليه نتنياهو قد يصبح أكثر كلفة، وربما مرفوضًا شعبيًا بدرجة لا يمكن تجاهلها، ما يجعل من الصعب على أي نظام عربي أو إسلامي أن يفتح له أبواب السياسة بسهولة.إن ما ارتُكب في غزة، وما يجري في الإقليم، يضع هذين الرجلين في موقع "المتهم" أخلاقيًا وسياسيًا في نظر قطاعات واسعة من العالم. وقد لا تكون محاكمات شبيهة بـ"نورمبرغ" قريبة في الأفق، لكن فكرة المساءلة لم تعد بعيدة عن التداول، خاصة في ظل تصاعد الأصوات الحقوقية الدولية.في النهاية، قد يتغير وجه الشرق الأوسط فعلًا، ولكن ليس بالضرورة وفق الرؤية التي يحلم بها نتنياهو أو يروّج لها ترامب. فالتاريخ لا يُكتب فقط بإرادة القوة، بل أيضًا بتراكم الذاكرة، وبقدرة الشعوب – مهما تأخر الزمن – على استعادة وعيها. وحين يحدث ذلك، لن يكون هناك مكان لأولئك الذين راهنوا على النسيان.ولعلّ ما يلخّص هذا التحوّل في الوعي الإقليمي، وبوادر التمرّد على منطق الوصاية، ما عبّرت عنه وزيرة الدولة للتعاون الدولي في قطر، لولوة الخاطر، بقولها:"كفّوا عن التحدث نيابةً عنا، وتوقفوا عن استخدامنا ذريعةً لأجنداتكم. لا نريد منكم أن تُحرّرونا، بل أن تتركونا وشأننا… العالم ليس فيلمًا تُدار أحداثه من خيال هوليوود."
شرق أوسط جديد.. حين تنكسر الهيبة وتنهض الإرادة
نشر بتاريخ: 2026/03/25
(آخر تحديث: 2026/03/25 الساعة: 16:17)